ترجع نشأة تحليل السياسات العامة كعلم إلى "هارولد لاسويل " Lasswell و كتابه The" "Policy Science الذي ظهر في الخمسينيات ، وكان هذا العلم مرتبطاً إلى حد كبير بالعلوم السياسية وخاصة بمادة نظام الحكم الأمريكي . وفى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ظهرت الدعوة إلى ضرورة التركيز على تحليل مخرجات النظام السياسي خاصة السياسات العامة، ولقد ساعد على هذا التطور تفاقم المشكلات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة الأمريكية بين السود والبيض والتورط الأمريكي في حرب فيتنام، حيث ظهرت الحاجة داخل مؤسسات الحكومة الأمريكية إلى تحليل هذه المشكلات ومحاولة صياغة السياسات التي تعالجها. حيث كان التركيز على مشكلات التضخم والبطالة والإنفاق الحكومي ومشاكل التجارة الدولية والشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين وعلى مدار عشرين عاماً حدث الكثير من التطوير في منهاجية البحث المرتبطة بالسياسات العامة كحقل علمي له ملامحه المستقلة، وكاسلوب للتحليل يستخدم بواسطة العلوم الاجتماعية الأخرى، وكنقطة التقاء بين العديد من العلوم الاجتماعية مثل الاقتصاد والسياسة والاجتماع ويرى "William Dunn" أن الهدف من تحليل السياسات العامة هو توفير أو إنتاج ولقد قام كل من "Hogwood, ۱- دراسات متعلقة بفحوى السياسات ومحتواها. ه دراسات تقديم المعلومات اللازمة لصنع السياسات. دراسات متعلقة بتعضيد بعض السياسات أو ما يعرف بـ "Policy Advocacy" وتوضح الملاحظة الدقيقة لهذه المحاور أن هذه المحاور السبعة ما هي إلا تعبير عن اتجاهين أساسيين كما یلی الاتجاه الثاني : يركز على استخدام المعلومات في صنع السياسات العامة أو ما أشار إليه "Dunn" بہ" Knowledge in the Policy Process" ، وبنياً على هذا الاتجاه تنطلق هذه الورقة من أن دراسات تحليل السياسات العامة ما هي إلا دراسات تهدف إلى حل المشكلات العامة عن طريق تقديم وتوفير المعلومات التي تسمح بتعظيم كفاءة البدائل المتاحة ، وهي من هذا المنطلق تمثل حفلا بينيا يبنى على وهي دراسات في أغلبها وصفية وقيمية . وتهدف هذه الورقة إلى دراسة الاتجاهات الحديثة التي طرأت على تحليل السياسات العامة في التسعينيات، - وحدة التحليل. - المدارس الفكرية . أولاً : وحدة التحليل : وحتى الدراسات التي كانت تستهدف دراسة وتحليل دور جماعات المصالح أو الأحزاب في قضايا بعينها كانت تتعامل معهم ليس باعتبارهم فاعلين مستقلين، ولكن من خلال تحليل قدرتهم على التأثير في صياغة الدولة للسياسات العامة، فالدولة كانت دائماً هي الفاعل الأساسي في مجال السياسات العامة حتى في النظم السياسية التي تأخذ بالتعددية والتي عادة ما تكون السياسات العامة فيها نتاجا للتفاعل بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. كذلك تعاظم دور فاعلين جدد مثل الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية الدولية في رسم وتحديد أولويات السياسات العامة. وساعد على تبلور هذا الدور تغير مفهوم السيادة بالمعنى التقليدي وثورة الاتصالات التي أعطت الجماعات تتغير من قضية إلى أخرى في مجال السياسات العامة، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الحكومة داخل هذه الشبكات ما هي إلا - First among semi" equals و تؤكد كتابات " Fiona Nunan" على الاعتمادية المتبادلة بين أفراد الـ Policy" "Network هذه، وأنه وفقاً لهذا المفهوم فإن الفاعلين الحكوميين في حاجة إلى خلق وتدعيم العلاقات مع جماعات المصالح المرتبطة بسياسة عامة بعينها من أجل الحصول على مزيد من المعلومات وإضفاء الصبغة الشرعية والدعم الشعبي على عملية اتخاذ القرار، ومن جانب آخر فإن جماعات المصالح تهدف من خلال التفاعل مع الأطراف الحكومية إلى حماية مصالحها من خلال التواجد الفعال في عملية صنع وصياغة السياسات العامة وأيضاً من خلال المشاركة في عملية تنفيذ "Guy Peters, التأثير فى محصلة ومحتوى السياسات العامة ( ۷ ) . وبالإضافة إلى المساهمات السابقة توجد كذلك مساهمات و دراسات مشروع الأمم المتحدة The وهو المشروع UN Vision " Global Public Policy Networks on Project "Global Public Policy المعنونة Wolfgan H. Reinicke" الذي بنى على دراسة Governing Without Government: (۸) . ويتعرض المشروع بالدراسة إلى الموضوعات التالية: 1- Banking Regulation 2-Dual-use Trade 3- Money Laundering ويرى أنصار مفهوم الشبكات أن التركيز على الشبكات كوحدة لتحليل السياسات العامة سوف يسهم في إعطاء المشاركين من المجتمع المدنى والذى طالما تم تهميشهم صوتاً أكبر في صياغة السياسات العامة وعلى الرغم من أهمية هذا المفهوم ومحاولة تقديمه كوحدة جديدة لتحليل السياسات العامة إلا أن المفهوم ما زال يشوبه بعض الغموض ويتضح ذلك مما يلي: 1- عدم وضوح طرق التمييز بين هذه الشبكات والمؤسسات أو المنظمات غير الرسمية الأخرى. الأمر الذي جعل حقيقة الدور الذي تلعبه في السياسات العامة موضع جدل. محدودية المعلومات حول كيفية نشأة هذه الشبكات وهياكلها المختلفة وكيفية تغيرها من قضية إلى لذلك دعى " David March" إلى التعامل مع هذه الشبكات أو "Policy Network" من خلال مستويات متعددة للتحليل Multi-level Analysis " تسمح للباحث بالتعامل معها ودراستها وهي في حالة تفاعل وحركة مع عناصر المجتمع الأخرى خاصة الدولة، ورفض معالجتها باعتبارها وحدة قائمة بذاتها منعزلة عن البيئة من حولها (۱۱). ويؤكد " Hay" على أن هذه المراحل المختلفة هي مراحل مؤثرة في عملية صنع السياسات توضح لماذا تحالفت مصالح بعينها في قضية معينة من قضايا السياسات العامة كما تلقى بالضوء على أسباب وأسلوب اتخاذ القرارات المتعلقة بهذه السياسة ( ۱۲ ) . ثانياً - قضايا ومحتوى السياسات العامة : والعلاقات بين المؤسسات السياسية داخله، ومن هذا المنطلق أغفلت هذه الأطر دور العامل الخارجي وتأثيره على مراحل صنع ولذلك جاءت الدراسات المتعلقة بتحليل السياسات العامة في فترة السبعينيات والثمانينيات متأثرة بدرجة كبيرة بالبيئة الداخلية للنظام السياسي، ولم يكن هناك أى تركيز على البعد الخارجي وأثره على عملية صنع السياسات العامة ( تحديد الأولويات، صياغة السياسة الخ)، ومن هذا المنطلق كانت القضايا المثارة هي قضايا متعلقة بالصحة والتعليم والإسكان والسكان وغير ذلك من القضايا ذات الصبغة الاجتماعية، أما الدراسات التي عرضت العملية صنع السياسات فقد ركزت بالأساس على الفاعلين المحليين والعلاقات بينهم وقدرتهم على التأثير في عملية صنع السياسة وفحواها. ومع بداية حقبة التسعينيات ذاع مفهوم العولمة "Globalization" والذي يشير في جوهره إلى ظاهرة مركبة لها أبعادها الاقتصادية والسياسية والاتصالية الخ، كما تصاعد دور منظمات الأمم المتحدة، كما كان أحد ثمار الثورة المعلوماتية وأصبحت هناك قضايا ذات صبغة عالمية تحتل أجندة السياسات العامة للدول المختلفة مثل : قضايا البيئة، والقضايا المتعلقة بأسلوب إدارة شئون الدولة والمجتمع Governance " حتى أضحى هناك ما يسمى بـ - glo " "bal Public Policyای سیاسات عامة عالمية ( ۱۳ ) . ولقد ساعد على ظهور السياسات العامة العالمية ما يلى : 1- الدور المتعاظم الذي لعبته في هذا المجال مؤتمرات الأمم المتحدة المختلفة على مدار السنوات الأخيرة وعلى سبيل المثال : وضع مؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة ١٩٩٤ قضية الصحة الإنجابية كموضوع للسياسات العامة على الأجندة الدولية . ولقد أفردت المجلة العلمية - Develop " Reproductive" Health and Rights: عددها الصادر في مارس ۱۹۹۹ بعنوان ment" "Putting Cairo into Action لمراجعة ما تم تعديله من سياسات في الدول لتنفيذ توصيات مؤتمر القاهرة في هذا المجال (١٤) . كما وضع مؤتمر المرأة العالمي الذي عقد في بكين سنة ١٩٩٥ قضايا المرأة على أجندة أولويات الحكومات بمختلف أنظمتها ورؤاها السياسية . بحيث أصبحت هذه الهيئات تحدد أولويات السياسات العامة في العديد من الدول، حيث احتل موضوع الحفاظ على صحة الطفل مكاناً بارزاً على سلم أولويات منظمة الصحة العالمية واليونيسيف وهيئة المعونة الأمريكية (١٥) . ولقد عكس الدور المؤثر الذي يلعبه التمويل الأجنبي في السياسات العامة نفسه في الدراسات المتعلقة بتحديد الأولويات أو ما يعرف بـ "Agenda Setting " حيث اعتادت هذه الدراسات على التأكيد على أن وصول قضية ما إلى سلم أولويات الحكومة هي رهن بتعبيرها عن إحساس عام بوجود مشكلة وأن هذه المشكلة تهم قطاعات عريضة من المجتمع، إلا أنه حديثاً ظهرت بعض الدراسات التي تضيف ضرورة توافر الموارد المالية إلى مجموعة العوامل السابقة التي تسهم في عملية تحديد الأولويات ( ۱۷ ) . وبالإضافة إلى ظهور الموضوعات ذات الصبغة العالمية نلاحظ ازدياد التركيز على دراسات موضوعات لم تكن تلقى الاهتمام الكافي من قبل مثل الموضوعات المتعلقة بتقييم السياسات العامة - Policy Eval" "uation أو المتعلقة بإخفاق السياسات العامة أو ما يعرف بـ Policy Fiascoes" بالإضافة إلى "Policy Implementation" . "Performance Measurement" الأداء التقييم عملية موضوعية قابلة للقياس ( ۱۸ ) . وتركز الدراسات الحديثة حول عملية تقييم السياسات العامة على الأخذ بآراء المستفيدين من السياسات. وتنظر هذه الدراسات إلى عملية تقييم السياسات على أنها جزء لا يتجزأ من عملية قياس مدى كفاءة هذه السياسات من جانب ومؤشرا على مدى شرعيتها من جانب آخر ( ۱۹ ) . التالية ( ٢٠ ) : 1- من هم المستفيدون ؟ ٢ - ما هي قيمة آرائهم ؟ في أي مرحلة من مراحل صنع السياسات يكون الأخذ برأيهم أكثر فائدة ؟ ما هي تكاليف الأخذ بآراء المستفيدين في تقييم السياسات العامة ؟ ولقد ترك الاهتمام بموضوع تقييم السياسات العامة والقدرة على قياس مدى نجاح أو فشل هذه السياسات تداعياته في اهتمام العديد من الدراسات بمحاولة تحليل أسباب إخفاق السياسات العامة ومن أهم الدراسات التي تطرقت لهذا الموضوع كتاب Pault Hart و Mark Bovens بعنوان تفهم إخفاق السياسات أو Understanding Policy Fiascoes" حيث تناول المؤلفان صعوبة الدراسات الإمبيريقية في مجال إخفاق السياسات العامة؛