والتَّاريخُ - مهما كان فسيحًا في حياة إنسان - يظلُّ يتيمًا عاريًا إذا لم تُلْبِسه القِيَمُ من جلبابها الكبير، وإنَّني عَبْرَ هذه الأسطر سأطوِّف بك أيُّها القارئ الكريم في فناء هذه المدرسة؛ وكيف أن هذه المدرسة قادرة على أن تخرج طلابًا قادرين على بناء أنفسهم، ويدلُّنا اليوم على أنَّ الحياة بلا أهدافٍ حياةٌ بلا معنى ولا أثر! وترى قضيَّة الأهداف في رمضان قضيَّةً واضحة، إنَّ كل مسلمٍ يدخل بوَّابة هذه المدرسة يرى هذه الأهداف في كلِّ جوانبها تهتف به، ومن روائع الهدف أنَّ مكافأته تحتفُّ به وتُغْري بعناقه، وهي مكافأة تدفع صاحبها إلى ركوب الأهوال من أجل عناق ذلك الهدف. • إن أيَّ مشروعٍ في الأرض يأتي إليه إنسانٌ دون أن يكون هدفُه واضحًا بيّنًا، ولم تَسْنَح الفرص بعدُ بعِناق نهايتها إلى اليوم! كم من إنسانٍ يعيش على حلم خَتْم القرآن الكريم حفظًا وضبطًا، وما زال مشروعُه في طيَّات الأوراق! وكم هي الأمنيات والمشاريع التي تَعْتلج في ذاكرة كلِّ واحد منا، وعلى كلِّ مَن أراد أن يختبر قدرته على تحقيق هذه القيمة في كلِّ حياته أن يجرِّب تحقيق الهدف العريض في هذا الشهر، وإنَّ رقيَّ الإنسان في ساحات الآخرة وقفٌ على استثمار الفُرَص في حياته؛ فتأمَّل هذه الفرص وهي تتعرَّض لكلِّ واحدٍ منَّا في عُرْض الطَّريق، وقد بلغَك أن هذا الذِّكر الحسن لِعُكَّاشة - رضي الله عنه - كلَّه كان من طيَّات فرصة واحدة، حين قال نبيُّك - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَدْخل الجنَّةَ سبعون ألفًا بدون حساب ولا عقاب))، وما أنْ لاحت هذه الفرصة لعكَّاشة إلاَّ وقام يجري لعناقها: "أمِنْهم أنا يا رسول الله؟" قال: ((نعم))، وألاَّ نسمح بحالٍ من الأحوال لأيِّ فرصة تتعرَّض في الطريق وندَعَها، فلو أنَّ إنسانًا تقدَّم الأذانَ بدقيقةٍ أو بأقلَّ منها وأفطر، ومثل ذلك لو أنَّه أكل أو شرب بعد بداية الأذان في الفجر لكان لا قيمة ليومه كلِّه، • إنَّ كل ناجح ترمقه أبصارُنا اليوم في أرض الواقع ستجد هذه القيمة في حياته العِلميَّة والعمَلية أوسع ما يكون، وإنني أُذكِّر بأنَّ هذه القيمة تاريخٌ تصنع الأفراد والأمم متَى ما حَظِيَت بحقِّها من العناية والاهتمام، وتَصْنع التغيير للأحلام التي يَنْشدها كلُّ حي عاشها واقعًا في رمضان، لولا أنَّني أدرك صِغَر المساحة التي تستقبل حرفي، وصُنَّاعَ تاريخها أن يفتحوا صفحات قلوبهم وصفحات دفاترهم؛