يشهد العالم سيولة معرفية، وتدفقاً معلوماتياً غزيراً، وتطوراً تكنولوجياً متواصلاً. وبينما تميزت كل حقبة تاريخية باسم محدد، كعصر الزراعة أو التجارة أو الصناعة، فإن حقبتنا الراهنة تتعدد تسمياتها حسب الرؤى التحليلية لأبعادها. يطلق عليها البعض مجتمع المعرفة، نظراً لاعتمادها الجوهري على إنتاج المعرفة واستثمارها وتوجيهها لخدمة أهداف متعددة. ويطلق عليه آخرون عصر السماوات المفتوحة، مرتكناً إلى التواصل الذي صيّر هذا العالم قرية صغيرة، يُدرك أقصاها ما يحدث في أدناها، نتيجة تقدم وسائل الاتصال. بينما يسميه فريق ثالث عصر الميديا، لاعتماده على الصورة وتقنيات المرئيات كبديل للكلمة وتقنيات التدوين. ويفضل البعض الآخر تسميته بعصر التكنولوجيا والتطور الرقمي، مستندين إلى تحكم التطبيقات التكنولوجية في جميع مظاهره وأبعاده. وعلى الرغم من تعدد وجهات النظر والأسماء، تتفق جميعها على تزايد دور التكنولوجيا في حياة الإنسان، مما أسفر عن تحولات سريعة ومتعددة في مفاهيم أساسية كانت مستقرة لقرون، كالقوة والثقافة والعلم والتعلم. كما أفرزت التكنولوجيا مفاهيم مستحدثة لم تكن موجودة سابقاً، مثل: ثقافة الصورة، والإعلام الجديد، والمعلوماتية، وقاعات التعلم الافتراضية، والمكتبات الرقمية، ومكتبات المستقبل، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والعديد غيرها. تتبع هذه التحولات حتماً تغيرات في مهارات الأفراد (البشر)، لتمكينهم من التعامل مع محيطهم (المهارات الحياتية). كما تهدف إلى مشاركة الفئات المتخصصة في تطوير مهاراتها (كالصناع ومنتجي الفنون والحرف)، وإسهام أصحاب الفكر في الإنتاج المعرفي لبناء قوة أوطانهم وشعوبهم (كالعلماء والمفكرين والمخترعين والباحثين). لذا، تدرك المجتمعات والدول الأهمية القصوى للاستثمار في رأس المال البشري وتنمية مهاراته، باعتباره الأولوية لأنه الوحيد القادر على إنتاج الأفكار التي تتحول لتطبيقات وأدوات، وعلى قيادة عملية التطوير نفسها. ظهر مفهوم مهارات القرن الحادي والعشرين منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تزايد الاهتمام العالمي بدراسة وبحث وتحديد المهارات والكفاءات الشخصية والأكاديمية الواجب تزويد الأجيال القادمة بها. ويأتي هذا الاهتمام خاصة مع تسارع التطور التكنولوجي، وضرورة وضع المقاييس والمعايير الدولية (International standards). وبناءً عليه، تبلور مفهوم هذه المهارات كمجموعة الكفاءات الضرورية للنجاح والعمل في القرن الحادي والعشرين. وقد حددتها الدراسات المتعددة ضمن ثلاث فئات رئيسية هي: مهارات التعلم والإبداع، ومهارات الثقافة الرقمية، ومهارات الحياة والمهنة. وتشمل كل فئة من هذه الفئات مجموعة من المهارات المتفق عليها ضمن الدراسات المتخصصة. أما الفئة الأولى، مهارات التعلم والإبداع، فتتضمن التفكير النقدي، وحل المشكلات، والاتصال، والتعاون، وإدارة المعلومات، والقيادة، والعمل الجماعي، والابتكار، والإبداع. بينما تشمل الفئة الثانية، مهارات الثقافة الرقمية أو مهارات المعلومات والإعلام الجديد، الثقافة التكنولوجية وتقنية المعلومات والإعلام الجديد. أما الفئة الثالثة، المهارات الحياتية والمهنية، فتضم التعلم الذاتي، والقدرة على التطوير، وإدارة الذات (مرونة وتكيف ومبادرة وتوجيه ذاتي)، ومهارات العمل المهنية (الاجتماعية والإنتاجية)، وفهم التنوع الثقافي. وقد أكد تقرير البنك الدولي للتنمية في العالم لعام 2019 على تزايد أهمية ثلاثة أنماط من المهارات في أسواق العمل: المهارات المعرفية المتقدمة (كحل المشكلات المعقدة)، والمهارات الاجتماعية السلوكية (كالعمل الجماعي)، ومجموعات المهارات التي تدل على القدرة على التكيف (كالاستدلال والكفاءة الذاتية). ويتطلب بناء هذه المهارات ركائز قوية لرأس المال البشري والتعلم المستمر مدى الحياة. تحديات عالمية: لماذا المهارات؟ منذ تسعينيات القرن الماضي، واجهت البشرية تحديات جمة في تأهيل الأفراد لسوق العمل، وللتعايش، وللحياة عموماً. وخلال ربع قرن تقريباً، تبلورت مفاهيم عديدة سعت لصياغة المهارات اللازمة للأفراد باختلاف أجناسهم وانتماءاتهم. وأبرز التحديات التي واجهت هذه المساعي، وما زالت، هي تسارع المعرفة، والاحتكار، والإعلام الجديد، والقيم. تسارع المعرفة: في ظل هيمنة التكنولوجيا وتطور أدوات البحث العلمي وإنتاج المعرفة، تشير الإحصاءات إلى ظهور معلومة جديدة كل ثانية في كل علم على الأقل، وربما أكثر. يلقي هذا الأمر بظلاله على جميع مجالات الحياة، من أساليب العيش والتعليم والصحة إلى علوم الفلك والكون وتطور الحياة والإنسان نفسه، وكشف أسرار المخ البشري، وإمكانات تطور العقل البشري عموماً. التحدي الأضخم الذي يواجه البشرية إزاء هذا التسارع المستمر هو كيفية المساهمة في نقل المعرفة والوعي الثقافي للأفراد بمختلف أعمارهم (مثلاً عبر التعليم). فالمعرفة لم تعد مجرد مخزون معلومات يُلقّن للأجيال القادمة، لأنها تتغير باستمرار بفعل التسارع. كما أنها لم تعد ثابتة في نظرياتها وقوانينها وأسسها، إذ يمكن أن يلغي حديثها فاعلية قديمها في أقل من ستة أشهر، نظراً لتضاعف حجم المعلومات على الأرض كل 180 يوماً. يؤكد العلم أن عدم استيعاب مبدأ التسارع يؤدي على الصعيد الشخصي والنفسي إلى العجز عن المواجهة والاستجابة، وفقدان الفاعلية، مما يترتب عليه أمراض نفسية متنوعة. وعلى الصعيد العام، يفضي إلى عجز كبير في التعليم وعدم قدرته على تحقيق أهدافه، لا سيما في الوعي العربي الذي يستقبل تسارع إنتاج المعرفة دون أن يشارك فيه بفاعلية. لذا، يتحتم على البشرية الآن الانتقال من تعليم المعرفة إلى مداخلها، ومن تزويد الأفراد بالمعلومات والمعارف إلى إكسابهم مهارات القرن الحادي والعشرين بصورتها الحالية التي تمت صياغة مفرداتها حتى لحظتنا الراهنة (وقد يضاف إليها أو يحذف منها قريباً). وهو معدل تغير السرعة بالنسبة للزمن، بقيم محتملة موجبة، سالبة، أو صفر. الاحتكار: يواجه العالم اليوم هيمنة مؤسسات عملاقة قليلة (شركات) تصوغ الاقتصاد العالمي وتتحكم به عبر التكنولوجيا الذكية وبرمجياتها وأدواتها المتطورة باستمرار. هذا الاقتصاد تجاوز المفاهيم القديمة المعتمدة على المواد الخام والزراعة ومصادر الطاقة، ليصبح اقتصاداً قائماً على التكنولوجيا، ومتعدد الأهداف، وعابراً للقارات. يعمل الاقتصاد العالمي على نشر نظم وأنواع جديدة من الرأسمالية، مما يعني أن الاقتصاد الكوني الناشئ بفعل التقدم التقني سيخلق منافسة غير مسبوقة، تجعل الدول النامية أمام خيارين: إما إصلاح نفسها أو تدميرها. وقد أدت هذه المؤسسات العملاقة إلى بروز ما يُعرف بـ "الاحتكارات الخمسة" في العالم، وهي: احتكار التكنولوجيا المتطورة، احتكار المؤسسات المالية العالمية، احتكار اتخاذ القرار بشأن الموارد الطبيعية، احتكار وسائل الإعلام على المستوى العالمي، واحتكار الوسائل العسكرية. ويُشير الاحتكار الأول، على سبيل المثال، إلى الشركات الكبرى التي تسيطر على إنتاج التكنولوجيا وأدواتها وتطبيقاتها، وهي بالترتيب: آبل (Apple Inc)، وألفا بيت (Alphabet Inc) بما تشتمل عليه من شركات مثل جوجل، وأمازون (Amazon)، وفيسبوك (Facebook). فجوجل وحدها (وهي جزء من ألفا بيت إنك) تحتكر 88% من سوق إعلانات البحث على الإنترنت، بينما تسيطر فيسبوك وفروعها (مثل واتس آب وإنستجرام) على 77% من مواقع التواصل الاجتماعي، وتحتكر أمازون 74% من سوق الكتب الإلكترونية، وعلى هذا المنوال. لقد قسمت هذه الاحتكارات العالم إلى شقين: أولهما مُنتج للتكنولوجيا وتطبيقاتها ومُتحكم في تشكيل وعي الأفراد بها، وثانيهما تابع ومُستهلك لها. هذا الواقع فرض على البشرية الإسراع في اكتساب المهارات الجديدة (مهارات القرن الحادي والعشرين) للمشاركة في صياغة العالم الجديد الذي يرتكز على المعرفة كقوة أساسية وفاعلة، والمساهمة في الإنتاج العالمي عبر توليد الأفكار والإبداع، وإدارة عمليات المعرفة والمعلومات بحد ذاتها. الإعلام الجديد: نشأ الإعلام الجديد كنتيجة منطقية لدمج الإعلام بالتكنولوجيا، حيث تم دمج كافة الوسائل الإعلامية السابقة (الصوت، الصورة، الحركة، المشاهد المرئية). وقد أدى ذلك إلى توسيع نطاقه، وإضافة مزايا جديدة، وتطوير استخدامه، مما منحه القدرة على إعادة تشكيل العالم والتحكم به. وتوضح الإحصاءات أن أربع وكالات أنباء عالمية فقط، تُعرف بـ "الأربعة الكبار"، تحتكر 80% من إجمالي التدفق المعلوماتي العالمي. كما أن مائة موقع إلكتروني فقط تستحوذ على 80% من إجمالي مستخدمي شبكة الإنترنت. يولد هذا الاحتكار في الإعلام ووسائل الاتصال تبعية تكنولوجية حتمية في هذا المجال لصالح الجهة المحتكرة. وهذا يشمل جميع البنى الأساسية كالمعدات والمرافق وتسهيلات الإنتاج والتوزيع، التي لا غنى عنها للنشاط الاتصالي في مراحله المتعددة، سواء في جمع المعلومات أو إعدادها ونشرها وتوزيعها. فمرحلة جمع البيانات تتطلب وسائل اتصال سلكية ولاسلكية، وأقماراً صناعية، ووكالات أنباء، وشبكات تليكس وكوابل. تتبعها مرحلة إعداد المعلومات التي تستلزم بنوك معلومات وآلات تصوير، وغيرها. تُعد السيطرة على الإعلام ووسائله في عالمنا المعاصر أقوى الأسلحة وأكثرها تأثيراً، لما تحققه من مصالح سياسية، واقتصادية، وثقافية، وحتى استعمارية (بمفهوم الاحتلال الفكري والثقافي الحديث) لصالح من يمتلكها. إذ تمتلك هذه السيطرة القدرة على التحكم في تشكيل وتوجيه الرأي العام محلياً وعالمياً، وفرض أنماط حياة جديدة وتحويل الأفراد إليها، وتمرير سياسات وأفكار وثقافات، والترويج لأي قضية أو فكرة، حتى لو كانت مضللة أو غير واقعية. من هنا تتجلى أهمية تزويد الأفراد بمهارات التعامل مع هذا الإعلام الجديد، خاصة مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، وإدارة المعلومات، والربط المعرفي (ضمن الفئة الأولى: مهارات التعلم والإبداع). كما تشمل كل مهارات الثقافة الرقمية، أو مهارات المعلومات والإعلام الجديد (الفئة الثانية)، وبعض المهارات الحياتية والمهنية، لا سيما مهارات التعلم الذاتي، والتطوير، وإدارة الذات، والتنوع الثقافي (الفئة الثالثة).