والرقي بالمواطن فمنحتها مكانة خاصة بين أنواع المكتبات الأخرى، لكن، لبسط نفوذها ومنهاجها على مجتمعات أخرى أرادتها أن تكون خاضعة لها وتحت سيطرتها، من هذه الدول نذكر الدولة الفرنسية عندما إحتلت الجزائر سنة 1830 حيث قامت بإنشاء العديد من هذه المكتبات، 2 ـ السياسة العامة للوجود الفرنسي بالجزائر لم يكن الإحتلال الفرنسي للجزائر سهلا، فإنها لم تستطع فرض سيطرتها على ربوع البلاد إلا عند نهاية القرن التاسع عشر، وفي الغرب الأمير عبد القادر، بشرقه وغربه، والأرباح، وعلى العموم فإن سياسة الإستعمار الفرنسي كانت في مجملها تهدف الى إنكار وجود الأمة الجزائرية أصلا بغرض تأبيد سيطرته على الجزائر، وهي خير وسيلة للإطمئنان على المستقبل “( ) وكذلك الترحيل المنظم للجزائريين، لترويج الخرافات والشعوذة مع إستغلال وتغذية الروح القبلية والجهوية، ميزابية، وهو ما سنتحدث عنه بشكل اكثر تفصيل فيما يلي من الصفحات . وتنظيم وسائل الإزدهار الثقافي والعلمي، والفني لبلادهم، وصحيح أن الثقافة في تلك الفترة كانت ضعيفة، والعسكريين، ففي عام (1830) م كان يوجد في مدينة قسنطينة وحدها سبع مؤسسات للتعليم الثانوي وما بعده، فضلا عن تسعين مدرسة للتعليم الإبتدائي( ) وهو دليل كاف على مدى صدق هذه الشهادات وموضوعيتها. وحول هذا الموضوع قال أحد الفرنسيين أن ” التعليم الإبتدائي بالجزائر كان أكثر إنتشارا مما كنا نعتقد، وكان أمام كل مسجد تقريبا مدرسة. وكانت كل مدرسة او مسجد، او زاوية تتوفر على معلم، ويعتبر هذا أمرا طبيعيا من مستعمر يعلم جيدا انه لايمكنه بسط ثقافته، إن النظام الإستعماري الفرنسي القائم على التجهيل، قصد قهر المجتمع الجزائري وتقريض دعائمه، والتنكيل برجالها، وبكل شدة التعليم العربي، والجمعيات، وإحلال سياسة التجهيل والتخلف مكانها، بحرمانها من كل الروافد التي كانت تغذيها، وجعلت ثقافة الشعب ولغته غير قادرة على مسايرة التقدم العلمي ولو في أبسط صوره، وسلبنا ممتلكات المساجد، وحتى تضفي السلطات الإستعمارية على أعمالها هذه صفة الشرعية والرسمية، ج. نابليون (1856 ـ 1860) اعتبر الجزائر امتدادا جغرافيا لفرنسا “( ). لقد مارس الفرنسيون على الجزائر سياسة الإستيطان المكثف، في إستغلال خيرات البلاد المختلفة، ونهب ثرواتها، والتامة، ولا يجودهم منها الا ليكوّن منهم موظفين، وأنصاف متعلمين، بقي مقتصرا على فئات قليلة محددة من الشعب ” بسبب تطبيق سياسة تهدف الى التأثير على فئة قليلة تسمى أبناء الأعيان”، وبالتالي تقلص عدد المتعلمين وعدد المدارس في الوقت نفسه، لم يبق منها في شهر فيفري عام (1846) سوى 14 مدرسة لتعليم حوالي 400 تلميذ “( ) أما المدارس في مدينة قسنطينة، خمسة وثلاثين مسجدا وسبع مدارس يؤمها حوالي ستة مائة الى سبعة مائة تلميذ، أعطوها شهرة علمية واسعة تفوق كل المدن الجزائرية الأخرى، وسطيف … الخ. وحول هذا الموضوع قال الجنرال فالازي (VALAZE) سنة 1834 ” جميع العرب تقريبا يعرفون القراءة والكتابة، وحرمت أبناء الجزائر من التردد عليها، لأخذ العلم والمعرفة . الأمر الذي دفع ببعض المثقفين الى مغادرة الوطن، حيث لم يكن قد طالته يد الإستعمار بعد، والتدريس باللغة العربية، وإخضاعها للمراقبة والمتابعة، لكن وبرغم كل محاولات الإستعمار الفرنسي للقضاء على الثقافة الوطنية، ولغته، جعلت الإستعمار يمنى في النهاية بالفشل الذريع، والمدارس الأخرى، إننا نهتم بها تقريبا دون نتيجة، فينبغي أن نبقى بها مدى الحياة حتى نعرف ما يحصل وما يقال فيها “( ) وقال آخر ” إن مراقبة الزوايا تظهر صعوبات لا تقهر “( ) وقال ثالث ” إننا نجهل داخل الزوايا “( ) كل ذلك يؤكد الدور الفعال الذي لعبته هذه المؤسسات التقليدية التعليمية في مجال نشر التعليم، الملاحق في ثقافته، واصالته ؟. 4ـ مكانة المكتبة العامة في سياسة الإستعمار الثقافية عملت فرنسا على إقامة مختلف الهياكل الثقافية، بغرض نشر الثقافة الأوروبية بمضمونها الدعائي للإستعمار، وتحسين صورته امام الشعب من جهة، والهياكل الثقافية التي اقامتها في عدد من المدن الكبرى في البلاد، موهمة الناس بأنها تقوم برسالة نشر الحضارة، بل كانت موجهة بالدرجة الأولى للفرنسيين، الذي عقد في الجزائر سنة 1931 أن ” المكتبات هنا ـ أي في الجزائر ـ تستجيب الى احتياج ثلاثي : 3 ـ منح الأهالي فرصة الإطلاع على ثقافتنا، وإذا كان لايستطيع المجئ اليها، من أجل إنقاذ التربية من الخطر “( )، أبناء الفرنسيين والمتجنسين بالجنسية الفرنسية والمعمرين من جنسيات أوربية مختلفة، لم يكونوا معنيين بهذا الأمر . والقضاء على ثقافة البلاد بكل مقوماتها، وتعويضها بالثقافة الفرنسية من جهة أخرى. وتأكيدا على هذا القول، أوجدت فرنسا في الجزائر نوعان من المكتبات العامة، نوع خاص بالأوروبيين ويتجلى في المكتبات البلدية وفروعها، ونوع خاص بالأهالي، وحتى تكون المكتبة قادرة على القيام بالمهام السالفة الذكر التي أسندت اليها، نقول بعض الإهتمام، لأن واقع هذه المكتبات وبنوعيها كان بعيدا كل البعد عما جاء في الخطاب السياسي من حيث الفعالية والمردودية، ثم إرتفع هذا الإعتماد في السنوات الموالية الى (000 75) فرنك فرنسي، أما تلك التي كانت توجد بالمدن الكبرى فــــإن إعتماداتها كانت مسجلة في ميزانية البلديات التابعة لها. وكانت المساعدات الحكوميـة تمنح للمكتبات في شكل كتب، على انها لم تكن تتم بطريقة آلية ومتساوية بل تبعا للخدمات والمجهودات التي تبذلها وتحققها كل مكتبة، لقد اتصفت المكتبات العامة خلال هذه الفترة في مجملها بالفقر، وبصورة عامة فإن السلطات الفرنسية بالجزائر لم يكن لها أدنى إنشغال آنذاك بتنظيم القراءة العمومية بصورة جدية، من ذلك غابت التنظيمات الخاصة بهذه المكتبات. 5 – 1 المكتبات الخاصة بالأوروبيين ومقرها آنذاك حي القصبة. بلغ عددها عـام (1881) حوالي (1818) مجلد، ثم ارتفع ليصل سنة (1914) الى حوالي (13607) مجلداً ( )، تكوّن جمهور هذه المكتبة، إضافة الى بعض الباحثين، والمتخصصين الذين كانوا يحسنون البحث بالمكتبة، وقد بلغ عدد القراء الدائمين حوالي (700 2) قارئ سنة 1931 من بين عدد السكان الأوربيين آنذاك وقدره (000 180) نسمة( ). أو بعض أفراد الفئة الإجتماعية المحظوظة، أما عن ميزانية هذه المكتبة، وكانت تدعى كذلك مكتبـات الأحياء . كما أن الكتب الحديثة الإقتناء كانت تبقى معروضة لمدة شهرين أو ثلاثة قبل أن تجمع وتحفظ في المخازن. كما كانت تمارس فيها الإعارة بصورة مجانية، 50 فرنك فرنسي( ) أما عن نوعية القراءة التي كانت تمارس فيها، وكان يعمل بها أرامل الحرب، وهن غير متخصصات في علم المكتبات، وقدر عدد قراءها سنة (1930) بحوالي (1700) طفلا من بينهم (115) طفل وكانت تمارس فيها الإعارة الخارجية بمعدل كتاب واحد، لمدة ثمانية أيام، وليس مكتبات وكانت تدعى مكتبات دائرة الأطفال( ) . 5- 1- 3 مكتبة البيار الشعبية أما خلال أيام الأسبوع فإنها مفتوحة للتلاميذ، مارست الإعارة وكانت تسجل أيام الأحد حوالي مئة إعارة( )، مع أنها كانت كثيرة النشاط والحيوية، وعلى غرار بقية المكتبات العامة الأخرى لم تكن تخضع لأي تنظيم، وبذلك إنحصر تنظيمها على وجه الخصوص في محاولة تنظيم الرصيد، وفيما بعد تدهورت عمليات الإعارة بهذه المكتبة، 3 ـ عدم وجود عمال متطوعين للعمل بها. إلا منذ مطلع القرن العشرين حيث تطورت، واحتلت الصدارة بين المكتبات الجهوية الأخرى التي كانت توجد في كل من الجزائر العاصمة ووهران( ) . وبإعداد الأدلة، ففي الفترة الممتدة بين (1947 ـ 1957) أعاد ترتيب مجموعاتها. ولاتيني وبخاصة الفرنسي، عالجت مواضيعها التاريخ والجغرافيا( ). إضافة الى مساعدات الحكومة العامة( ) . مثل بلقراند (PELLGRAND)، و م. DELORME) وغيرهم( ) . احتوت على رصيد قدر بثلاثة مئة وتسعة وستون كتاب في مواضيع مختلفة، وكانت هذه المكتبة مفتوحة أمام كل الأهالي، لكنهم كانوا قليلوا التردد عليها لدرجة ان الأستاذ الذي عين لخدمة هؤلاء الأهالي، قد أعفي من مهامه بالمكتبة، على كتب القرآن، والحديث، كما كانت تمارس الإعارة للتلاميذ وغير التلاميذ، كما وجد بهذه المكتبة سجل للقراء والمستعيرين، ويعود تعيين أول مكتبي بها الى نفس سنة تأسيسها. أما عن مصدر هذه الكتب، فالبعض منها اشترته الحكومة، أما الميزانية فلم تحصل هذه المكتبة على ميزانية لسنوات طويلة، باستثناء بعض الكتب في القراءة، الخاصة بالتلاميذ الذين يحضرون انفسهم للدخول الى مدارس التعليم العالي الإسلامي. لكن، تحصلت هذه المكتبة على ميزانية صغيرة إستغلتها في شراء الموسوعة العربية لفريد وجدي : دائرة المعارف القرن العشرين (10 مجلدات) وموسوعة صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي (14 مجلدا)( ). على أن يوقع في سجل مخصص لهذا الغرض( ) . 5 – 2 – 4 المكتبة العربية بقسنطينة كانت توجد بنهج كومب خارج مدرسة التعليم العالي الإسلامي، وهي مفتوحة كل مساء، إبتداء من الساعة الثالثة زوالا، وكان أستاذ العربية بالمسجد، يقوم بالإشراف على قاعة المطالعة، مقابل حصوله على سكن مجاني، وأيضا على عدد من المخطوطات، أما عن تبعيتها، فلقد كانت تابعة لمراقبة مدير مدرسة قسنطينة الذي يقوم كل سنة بتفتيش كل من المكتبة العربية بعنابة، هكذا وبعد هذا التذكير السريع لوضعية المكتبات العامة خلال مرحلة الإحتلال الفرنسي، وليس تكوين مواطنين مثقفين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وترقية المطالعة العمومية، خاصة بالنسبة للأهالي، ليس إلا وهماً وسراباً، وكذلك مكتبة جامعة الجزائر (1909) إضافة الى حوالي خمسين مكتبة بلدية، وكانت أغلب هذه المكتبات متمركزة في المناطق التي يكثر فيها الأوروبيون، أما مناطق البلاد الأخــرى، أما المكتبة الوطنية التي وضعها (JULIEN CAIN) مدير المكتبات الفرنسية آنذاك تحت حماية الجيش، فإن هذه الأخيرة فقدت العديد من الكتب والوثائق،