وعلى الرغم من أنّ هذه الإحالة لا تعبّر عن المماهاة التامة والمطلقة بين المستويات أعلاه، فإنّ التمثل الرائج هو القائم على اعتبار أنّ لـ "الفضاء الافتراضي" وحدة مجالية، لا بل اتخاذه أداة لارتهان حركة الأفراد والجماعات، بل لشبكة من التمثّلات المعقّدة، ولاسيما البنية التقنية المؤسسة له (الإنترنت وتفرّعاته)، تشكّلت في مجملها حول "جبهتين" على شفا نقيض في تعبيراتها وتمظهراتها: + الجبهة الأولى، منذ نوربرت فيينير، أواخر أربعينيات القرن الماضي، نهاية القرن الماضي؛ في تعميق مسلسلات الدمقرطة، وإمكانيات تقاسمها، وتقويض مبدأ الاحتكار، ولذلك، بهذه الرؤية؛ وسياسية، غير مسبوقة في تاريخ التقنيات، وفي عمليات تملّك المجتمعات للتقنيات ذاتها على مستوى النفاذ، والمعلومات، والاتصال، إنّما تبشر بآمال ديمقراطية متعدّدة، سواء فيما يتعلّق بالنفاذ إلى المعرفة والثقافة، أم فيما يخصّ عمليات إعداد التراب الجغرافي، وتدبير مكامن الشأن العام. وتعبّر عن رؤية تشاؤميّة صرفة لهذا "العالم الافتراضي" المتقدّم المدّ، إذ على النقيض من الرؤية المتفائلة السابقة، كثابت متوافق بشأنه في الزمن كما في المكان. إنّهم يؤكّدون أنّ الإنترنت، بعيداً عن أن يكون أداة مساواة، فإنّه قد يسهم في تعميق الانشطارات الاجتماعية القائمة، وفيما بين الأجيال أيضاً. بل يحذّرون من الخضوع له، والانصهار في منظومته، على حد قول مانويل كاسطيلس، كونه سيفاً ضارباً لا يستطيع الإفلات من عقاله، إزاء تمثّلين "للفضاء الافتراضي" كانا قائمين وملازمين لتطوّر وتموّج الشبكات الرقمية، عندما باتت الشبكات إيّاها (والإنترنت تحديداً) عصبَ الاقتصاديّات الوطنيّة، وقلب منظومة الاتصال والتواصل، بجلاء، عن تعمّق الهوّة بين التمثّلين، وخدمات، وبرمجيات؛ بل أن تحول "الصلاحية" ذاتها إلى منظّمة عالمية (الأمم المتحدة في المدى المنظور) تديرها وفق أسس متوافق عليها، أو متفق بشأنها. من زاوية تصميم الاستراتيجية ذاتها للحفاظ على موقعها كفاعل مهيمن في حكامة الفضاء إيّاه، ورسم توجّهاته الكبرى. منذ صيف العام 2013م، قد أضعفت تمثّل الولايات المتحدة في الإبقاء على الحكامة القائمة (أعني المتحكّم فيها من لدنها)، إلا أنّ ذلك لم يبلغ مستوى يكون من شأنه تقويض المنظومة "التبريرية"، إنّ "انتصار" التمثّل الحرّ والمفتوح لحكامة الإنترنت (والشبكات الرقمية في وجه عام) لم يفرز "مجالاً" مستقلاً، قائم الذات، والمؤسسات والتشريعات الوضعية. ثمّ إنّ "انتصار" التمثل ذاته إنّما هو، في الآن ذاته، من انتصار نموذج في حرية الفكر والتعبير لا يكتفي بمناهضة تدخل الدولة في هذا الجانب فحسب؛ قائم الذات، منفصل الهوية، خارج منظومة القوانين إيّاها في الشكل كما في المضمون. بيد أنّ هذا التمثّل سرعان ما بدأ يطاله التراجع على محكّ المخاطر، لا سيّما على ضوء تزايد مدّ "الجريمة الافتراضية"، ويدفع بالدول والحكومات، التي وعد، أو يَعِدَ بها، سواء طالتهم الشكوك أم كانوا مجرّد مكمن واهٍ للشبهات. ما يزيد من هذا التوجّه، وإبرازها بمظهر المخاطر الكبرى؛ في حالٍ كما في مآلِ العمران البشري بنيةً وتجليات. فإنّه لو تمّ استبيان خيارات الناس مثلاً، بين التمثّلين المقدّمين أعلاه،