بعد استقلالها، سعت تونس بين عامي 1962 وأواخر الثمانينات لتنمية اقتصادها ومجتمعها من خلال تجارب تنموية متعددة. بدأت البلاد بتجربة التعاضد في الستينات (1962-1971)، والتي تميزت بتدخل الدولة المكثف في الاقتصاد مع الحفاظ على المشاريع الخاصة. فلاحياً، أُنشئت تعاضديات نموذجية على أراضي المعمرين المستردة، وتعاضديات خدمات. إلا أن تطبيق هذه السياسة واجه مقاومة واسعة عام 1969، بسبب فساد إداري ونقص الشفافية، مما أدى إلى التخلي عنها في هذا القطاع. صناعياً، تولت الدولة عبء إنشاء مشاريع كبرى بنفسها أو بشراكة دولية، مثل مصنع تكرير النفط ببنزرت والفولاذ بمنزل بورقيبة، وخصصت 28% من استثمارات المخطط العشري لأقطاب إقليمية. ورغم التكاليف العالية وتنوع الإنتاج، فإن فشل التعاضد الفلاحي دفع الدولة للتخلي عن التجربة الصناعية أيضاً. مع مطلع السبعينات، تحولت الدولة لسياسة تنموية ليبرالية. حُلّت التعاضديات الفلاحية، وأُعيدت الملكيات لأصحابها، وشُجع الخواص المحليون والأجانب على الاستثمار في الصناعات الخفيفة (كالنسيج والغذاء) والسياحة. نجحت هذه السياسة في بدايتها بفضل الظروف الطبيعية الملائمة وارتفاع أسعار النفط والفسفاط عالمياً. لكن منذ منتصف السبعينات، تغيرت الأوضاع مع تراجع الأسعار، مما استدعى تبني سياسة الإصلاح الهيكلي عام 1986. على الصعيد الاقتصادي، زادت الأنشطة تنوعاً، لكن الاعتماد على الصناعات الخفيفة خلق مجتمعاً استهلاكياً. ونقص الصناعات الثقيلة أعاق التوازن الإقليمي. كما تفوقت الواردات على الصادرات، متسببة بعجز هيكلي في الميزان التجاري وميزانية الدولة التي لجأت للاقتراض. اجتماعياً، نجحت سياسة تنظيم الإنجاب وتحسن مستوى العيش والتعليم والخدمات. لكن ضعف النمو الاقتصادي أدى لارتفاع البطالة والهجرة الخارجية، وزيادة التفاوت بين الفئات الاجتماعية والأقاليم. فشلت تجربة التعاضد لغياب مستلزماتها، مما أضر بالاقتصاد والمجتمع. أما السياسة الليبرالية، رغم ارتباطها بالخارج، فقد حسّنت مستوى عيش التونسيين حتى منتصف الثمانينات قبل أن تظهر بوادر الأزمات.