الفصل الأول كان سنتياغو، شيخٌ عجوزٌ يصيد السمك وحده بقاربه الشراعي الصغير في مجرى الخليج، وقد أمضى أربعة وثمانين يوماً دون الحصول على سمكة واحدة. خلال الأيام الأربعين الأولى، كان يرافقه صبي، لكن بعد فشله المتواصل في الصيد، قال والدا الصبي لابنهما إن الشيخ قد أصابته "النحس"، وهو أسوأ أنواع سوء الحظ، فأمرا الصبي بالانتقال إلى قارب آخر. رغم ذلك، كان الصبي يشعر بالحزن لرؤية سنتياغو يعود يومياً بقاربه الخالي، فكان دائماً يُسرع لمساعدته في حمل خيوط الصيد والخطاف والحربة، أو الشراع المطوي حول السارية، والذي كان مرقعاً بأكياس الطحين، ليبدو مثل راية هزيمة دائمة. كان الشيخ نحيفاً أعجف، وله تجاعيد عميقة في قفا رقبته، وعلى خديه بقع بنية من سرطان الجلد الذي تسببت فيه الشمس، وانتشرت على جانبي وجهه. وعلى يديه آثار جروح عميقة وقديمة خلفها جر الأسماك الثقيلة. كل شيء فيه كان قديماً، ما عدا عينيه، اللتين كان لونهما لون البحر، فرحتين، ولا أثر للهزيمة فيهما على الإطلاق. وهما يصعدان الضفة حيث رُفع المركب، عرض الصبي على سنتياغو العودة للصيد معه، فقد جمعا بعض النقود. كان الشيخ قد علّم الصبي الصيد، وكان الصبي يحبه ويقدره كثيراً. لكن سنتياغو رفض بلطف، ناصحاً الصبي بالبقاء مع القارب المحظوظ الذي هو فيه الآن، لكنه ذكّره بكيفية أمضائهما سبعة وثمانين يوماً دون صيد، ثم اصطادا سمكات كبيرة كل يوم طوال ثلاثة أسابيع لاحقة. تحدثا بلطف عن التيار والأعماق التي يلقون فيها خيوطهم، وعن الجو الرائق، وعما رأوه في البحر. في تلك الأثناء، كان الصيادون الناجحون قد عادوا، وشقوا بطون أسماك المرلين وحملوها، بينما أخذ صيادو القرش صيدهم إلى مصنع سمك القرش حيث تُزال أكبادها وتقطع زعانفها. اليوم، كانت رائحة المصنع خفيفة على المرفأ بسبب هدوء الريح. أوضح الصبي لسنتياغو أنه لم يتركه بسبب الشك، بل لأن والده أجبره، مؤكداً أنه ولد ويجب أن يطيع. أجاب الشيخ أنه يعلم ذلك، وهذا أمر طبيعي تماماً، وشدد على أنهما كانا على ثقة متبادلة رغم كل شيء. عرض الصبي أن يقدم له قهوة في مقهى الشرفة ويساعده في حمل الأدوات إلى المنزل، فوافق الشيخ، معتبراً ذلك عرفاً ودياً بين الصيادين. جلسا في الشرفة، وراح بعض الصيادين يهزأ بالشيخ، بينما نظر إليه الصيادون الأكبر سناً بحزن مكتوم، دون أن يظهروا ذلك علانية. استعاد الصبي ذكريات صيد سمكة كبيرة مع سنتياغو، متذكراً بقوة حية المقاومة العنيفة، ودوي ضرب الهراوة، والرائحة العذبة لدمها. سأله الشيخ إن كان يتذكر ذلك حقاً أم أنه أخبره به، فأكد الصبي أنه يتذكر كل شيء منذ أول يوم ذهبا فيه للصيد معاً. نظر الشيخ إليه بعينيه اللتين لوحتهما الشمس، والطافحتين بالمحبة والثقة، وقال: "لو كنتَ وَلَدي لغامرتُ بأخذك معي إلى الصيد، ولكنك ابن أبيك وأمك، وأنت الآن في قارب محظوظ". عرض الصبي أن يجلب السردين، ومعرفة أين يحصل على أربع قطع من الطعم الطازج. لكن الشيخ أخبره أن لديه قطع الطعم التي بقيت اليوم، محتفظاً بها بالملح. وافق على قطعة واحدة طرية فقط مما عرضه الصبي. لم يتلاش أمله وثقته أبداً، بل أخذا يتحددان وينتعشان الآن، كما ينتعشان عند هبوب النسيم. سأله الصبي إن كان يستطيع جلب السردين ليوم غد، لكن الشيخ رفض، وطلب منه الذهاب ولعب البيسبول، مؤكداً أنه مازال بإمكانه أن يجدف القارب، وأن رخليو سيرمي الشبكة للسردين. أصر الصبي على رغبته في جلب السردين، معبراً عن رغبته في خدمة الشيخ بطريقة ما إذا لم يستطع الصيد معه. سأله الصبي عن عمره عندما أخذه الشيخ معه في القارب أول مرة، فأجابه الشيخ أنه كان في الخامسة، وكاد يقتل عندما رفع سمكة قوية كادت تحطم القارب. تذكر الصبي بوضوح ذيل السمكة وهو يلبط، والمقاومة العنيفة، وضجة الضرب بالهراوة، وكيف أُلقي إلى مقدم القارب. خطط الصبي لجلب قطعتين من الطعم الطازج، مؤكداً أنه سيشتريهما. وعرض أيضاً مساعدة غير مباشرة لسنتياغو في البحر، بأن يجعل معلمه يبتعد بملاحقة طير يصطاد شيئاً، مستغلاً رؤيته الثاقبة التي لا يمتلكها معلمه (الذي كان أعمى تقريباً، حسب قول الشيخ، بسبب صيد السلاحف، رغم أن سنتياغو نفسه أمضى سنوات في صيد السلاحف ولم تفقد عيناه حدتهما). شكر الشيخ الصبي على ذلك. لم يكن سنتياغو أبسط من أن يتساءل بعد أن وصل به الحال إلى المهانة، بل أحس أنه بلغ تلك الحال، ويعرف أن ذلك ليس مخزياً، ولا يُسبّب له خسارة في عزة النفس الحقيقية. أكد أن غداً سيكون يوماً طيباً بفضل هذا التيار، وأنه شيخ غريب وفريد إلى حد ما. سأله الصبي إن كان قوياً بما يكفي لصيد سمكة كبيرة حقاً، فأجاب أنه يظن ذلك، وهناك حيل عديدة. وأخبره أنه سيذهب بعيداً جداً ليتمكن من العودة عندما يتغير اتجاه الريح، ويريد أن يخرج قبل مطلع الصباح. حملا الأدوات إلى المنزل. حمل الشيخ السارية على كتفه، بينما حمل الصبي الخطاف والحربة مع مقبضها، إضافة إلى الصندوق الخشبي الذي يضم الخيوط البنية المجدولة جيداً والمطوية، والذي كان يضم الطعم في مؤخر المركب، مع الهراوة التي تُستعمل للسيطرة على الأسماك الكبيرة بعد اصطيادها ورفعها إلى المركب.