منذ دخولي عالم العلم، لم أُفَرِّطُ في بحث كلام العلماء حول معنى "الفصاحة"، "البلاغة"، "البيان"، و"الراعة"، فأرى بعض تلك التعابير كالإشارة الخفية، والتنبيه على مكان دفينة يُطلب، أو طريق يُسلك، وكأنها قاعدة تُبنى عليها. أعتقد أن هذه المعاني تُترجم إلى تنظيم، تأليف، صياغة، ونَسْج في الكلام، تمامًا كما تُرى في الأشياء نفسها. ومثلما يَفْضُل النظم في الأشياء، يُفضّل بعض الكلام بعضاً، يرتقي منزلة بعد منزلة، حتى يصل إلى غاية لا تُدرك، تتوقف فيها الأطماع، وتختفي الظنون، وتصبح القوى عاجزة. قد تُخيل لك أن هذا الكلام كافٍ، لكن عند التدقيق، تُدرك أنه يُختصر اللفظ ويُطيل المعنى. يُقال لنا: "إنكم قستُم، فقلتم: نظم ونظم، وترتيب وترتيب، ثم بنتُم على ذلك أنه ينبغي أن تظهر الميزة في الكلام كما تظهر في الأشياء". صحيح ما قلتم، لكن ينقصنا معرفة مكان الميزة في الكلام، ووصفها، ود ذكر أمثلة توضيحية. لا يكفي قول: "إنها خصوصية في طريقة النظم، أو نسج الكلمات". يجب وصف تلك الخصوصية وتوضيحها، ذكر أمثلة، كما يفعل من يشرح لك عمل الديباج المنقّش، يوضح لك تفاصيل الصنعة، كيف تذهب الخيوط وتأتي، وماذا يذهب منها طولاً وماذا عرضاً؟ لو كان تفسير الفصاحة بقول: "إنها خصوصية في نَظْمِ الكلم، أو ضمّ بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة"، كافياً لفهمها، لَكَفَى مِثْلُه فى معرفة الصناعات كُلّها. فكان يكفي معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير أن تعلم أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضمٌ لطاقاتِ الإبْرِيسَم بعضها إلى بعض على طُرق شتى. وهذا ما لا يقوله عاقل.