عرفنا فيما سبق أن الشريعة خاصة بما جاء عن الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ١. ورسوله هو المبين لشرعه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ٣. وجعل حكمه عن إلهام منه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ٥. وكان يخلو بغار حراء فيتنحث فيه -وهو التعبُّد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ووقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فِترة الوحي كانت ثلاث سنين، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو شهر ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أن نبيء في شهر رمضان". وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، قال في حديثه: $"بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، لأن نزولها تأخر عن نزول {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر} بالاتفاق؛ أما أول المزمل فهو الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن. وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث آيات بينات تتعلق بنزول القرآن: الأولى في سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن}. والثانية في سورة الدخان: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة}. والثالثة في سورة القدر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر}. وإنما يلتبس عليه التوفيق بين هذه الآيات والواقع التاريخي في نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما في أكثر من عشرين عاما فكيف تجتمع هذه الأعوام في شهر بل في ليلة؟!! وللعلماء في هذا التوفيق مذهبان. أما المذهب الأول ويتزعمه ابن عباس فيرى أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وفق الحوادث والمقتضيات مدة البعثة، فعن ابن عباس وغيره "أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم". فيرى أن أول ما بدئ به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في شهر رمضان في الليلة المباركة "ليلة القدر"، وأنت ترى من خلال هذين المذهبين أن مذهب ابن عباس لا يعطي لشهر رمضان مزية خاصة ذات صلة مباشرة بالأمة المحمدية؛ وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} ٢. وقد حكى القسطلاني في شرحه على البخاري خلاف العلماء في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة، هذا بالنسبة إلى ابتداء نزول القرآن. أما بالنسبة إلى آخر ما نزل منه: والمراد بها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} ١ الآية. ب- وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه} ٢. لما روى عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين، والمراد بها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} ٣ الآية. ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف: آية الربا، د- وقيل: آخر ما نزل آية الكلالة. هـ- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم} ٢ إلى آخر السورة. و وعن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح} وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، أما قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} ٤ فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، ونستخلص مما سبق: أن بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصالحة كان على رأس الأربعين من عمره "في شهر ربيع الأول"، وأن آخر ما نزل على الرأي الراجح كان يوم عرفة بحجة الوداع، وبوفاته انتهى عهد التشريع الذي بدأ ببعثه صلى الله عليه وسلم،