ثم رفع رأسه وقبل الأرض بين يديه واخبره أنه ابن بنته بدور. فلما سمع الملك أنه ابن ابنته بدور رمى نفسه عليه وصارا يبكيان ثم قال الملك الغيور: والحمد لله يا ولدي على السلامة حيث اجتمعت بك ثم قال له الأمجد: إن ابنته بدور في عافية وكذلك أبوه قمر الزمان وأخبره أنهما في مدينة يقال لها جزيرة الأبنوس، فقبل الأرض بين يديه ثم خلع الملك الغيور على الأمجد ابن ابنته ورجع مبتسماً إلى الخليفة وأعلمه بقصة الملك الغيور فتعجب منها غاية العجب ثم أرسل له آلات الضيافة من الخيل والجمال والغنم والعليق وغير ذلك وأخرج للملكة مرجانة كذلك وأعلموها بما جرى فقالت: أنا أذهب معكم بعسكري وأكون ساعية في الصلح. فلما رآهما قمر الزمان رمى نفسه عليهما وبكى بكاءً شديداً واعتذر لهما وضمهما إلى صدره ثم أخبرهما بما قاساه بعدهما من الوحشة الشديدة لفراقهما ثم إن الأمجد والأسعد ذكرا له عن الملك الغيور أنه وصل إليهم فركب قمر الزمان في خواصه وأخذ ولديه الأمج والأسعد معه وساروا حتى وصلوا إلى قرب عسكر الملك الغيور فسبق واحد منهم إلى الملك الغيور وأخبروه أن قمر الزمان وصل فطلع إلى ملاقاته فاجتمعوا ببعضهم وتعجبوا من هذه الأمور وكيف اجتمعوا في هذا المكان وصنع أهل المدينة الولائم وأنواع الأطعمة والحلويات وقدموا الخيول والجمال والضيافات والعليق وما تحتاج إليه العساكر. فبينما هم كذلك إذا بغبار ثار حتى سد الأقطار وقد ارتجفت الأرض من الخيول وصارت الطبول كعواصف الرياح والجيش جميعه بالعدد والأزاد وكلهم لابسون السواد وفي وسط شيخ كبير ولحيته واصلة إلى صدره عليه ملابس سوداء فلما نظر أهل أهل المدينة هذه العساكر العظيمة قال صاحب المدينة للملوك: الحمد لله الذي اجتمعتم بإذنه تعالى في يوم واحد وكنتم كلكم معارف فما هذا العسكر الجرار الذي قد سد الأقطار؟ فقال له الملوك: لا تخف فنحن ثلاثة ملوك وكل ملك له عساكر كثيرة فإن كانوا أعداء نقاتله معك ولو زادوا ثلاثة أمثالهم. فبينما هما كذلك إذا برسول من تلك العساكر قد أقبل متوجهاً إلى هذه المدينة فقدموه بين يدي قمر الزمان والملك الغيور والملكة مرجانة والملك صاحب المدينة فقبل الأرض وكان هذا الملك من بلاد العجم وقد فقد ولده من مدة سنتين وهو دائر يفتش عليه في الأقطار فإن وجده عندكم فلا بأس عليكم وإن لم يجده وقع الحرب بينه وبينكم وأخرب مدينتكم، فقال له قمر الزمان: ما يصل إلى هذا ولكن ما يقال له في بلاد العجم فقال الرسول: يقال له الملك شهرمان صلحب جزائر خالدات وقد جمع هذه العساكر من الأقطار التي مر بها وهو دائر يفتش على ولده. فلما سمع قمر الزمان كلام الرسول صرخ صرخة عظيمة وخر مغشياً عليه واستمر في غشيته ساعة ثم أفاق وبكى بكاءً شديداً وقال للأمجد والأسعد وخواصهما: امشوا يا أولادي مع الرسول وسلموا على جدكم والدي الملك شهرمان وبشروه بي فإنه حزين على فقدي وهو الآن لابس الملابس السود من أجلي ثم حكى للملوك الحاضرين جميع ما جرى له في أيام صباه فتعجب جميع الملوك من ذلك ثم نزلوا هم وقمر الزمان وتوجهوا إلى والده فسلم قمر الزمان على والده وعانقا بعضهما ووقعا مغشياً عليهما من شدة الفرح. فلما أفاقا حكى لابنه جميع ما جرى له ثم سلم عليه بقية الملوك وردوا مرجانة إلى بلادها بعد أن زوجوها للأسعد ووصوها أنها لا تقطع عنهم مراسلتها ثم زوجوا الأمجد بستان بنت بهرام وسافروا كلهم إلى مدينة الآبنوس وخلا قمر الزمان بصهره وأعلمه بجميع ما جرى له وكيف اجتمع بأولاده ففرح وهنأه بالسلامة ثم دخل الملك الغيور أبو الملكة بدور على ابنته وسلم عليها وبل شوقه منها وقعدوا في مدينة الآبنوس شهراً كاملاً ثم سافر الملك الغيور بابنته إلى بلده. وفي الليلة التاسعة والثمانين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك الغيور سافر بابنته وجماعته إلى بلده وأخذ الأمجد معهم فلما استقر في مملكته أجلس الأمجد يحكم مكان جده وأما قمر الزمان فإنه أجلس ابنه الأسعد يحكم في مكانه في مدينة جده أرمانوس ورضي به جده ثم تجهز قمر الزمان وسافر مع أبيه الملك شهرمان إلى أنوصل إلى جزائر خالدات فزينت له المدينة فاستمرت البشائر شهراً كاملاً وجلس قمر الزمان يحكم مكان أبيه إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات والله أعلم.