على الرصيف المحاذي للسوق، غارقاً في قيلولة الظهيرة، يشمُّ بقايا غبار متيبسة على كعب النعل المحاذي لفتحتي أنفه. وحدود الظل بدأت تبهت على أثر مرور أشعة الشمس من خلف غيمة تبدو وكأنها طارئة في السماء. لكن الأصوات المتعالية والمنخفضة في السوق، جعلته يجذب الحبل الذي يساعده في حمل الأثقال وينهض. دخل بوّابة السوق، لم يَدْرِ لماذا تذكَّر أول مرة دخل فيها السوق. ربما تلك الرغبة التي تظل تشد الإنسان كلما توغّل به العمر، ولم يبتعد هو أكثر من ذلك . لقد رأى نفسه فتيّاً قوياً، انحبست شهقة في صدره حينما أخذت تتجاذبه حركة المارّة في السوق. لا يزال هناك في أعمق أعماقه قوة . تظل غامضة بالنسبة إليه. حين يكون متّجهاً ناحية السوق. طبيب الحكومة قال له بلهجة المتعلّم الذي يحدِّث أميّاً: عليك أن ترتاح يا نعمان. وقد هزّ رأسه لحظتها موافقاً الطبيب، لأنه أدرك بأن طلب الشفقة والمعونة لم يعد يجدي في زمنٍ تحوَّلَ فيه الناس إلى وحوش، وأنه سيظل يأتي إلى السوق ويعمل حتى ينهار وينام نومته الأبدية، كان يتمنى فقط أن لا يراها جائعة أو مهانة. كان يتمنى دائماً أن لا يمرض قبل الموت. محاولاً تحاشي مثل هذه الأفكار: أدار رأسه بحركة بطيئة في السوق بحثاً عن حُمولة. كان ثمّة رجل يقف وسط دكان بجانب ثلاثة أكياس كبيرة فوق (قبّان)، راقب عينَي الرجل صاحب الأكياس وهي تدور في محجريهما بحثاً عن الحمّال، أحسّ (نعمان) بغصّة وبوخزة التحدّي. كان خائفاً أن يظهر فجأة ذلك اللعين – عاشور – فكّر لا يمكن أن يأتي الآن، هو الوحيد في السوق مَن يستطيع أن يحمل كل هذه الأكياس، لقد ساقته امرأة أمامها قبل قليل. كانت حريصة على انتقائه . يا إلهي كيف بدا لها بطوله وعرضه: عينيه وثدييه المكوَّرَيْن بصلابة فوق صدره، وتلك الحمرة المحروقة التي صنعتها شمس السوق القاسية فوق وجهه. عليّ أن أعبّ نفَساً عميقاً أوسّع به صدري، وأن أخطو بخطوات واسعة واثقة باتجاه الرجل، إنّ معظم الحمّالين من الأطفال الصغار والرجال الكسالى. كان هذا حقيقةً حين كنتَ فتيّاً، عندما كانت أزقّة السوق الملتوية تضجّ بصراخك وغنائك وأنت تفرّغ سيارات كبيرة مليئة بأكياس الدقيق. والعينان الغائرتان في جمجمتك . كان يستقبل ذلك البياض الذي ألصقه لون الفجر فوق زجاج النافذة، وقد خانته قواه حين أراد أن يهبَّ واقفاً كعادته. بقي تحت الغطاء راقداً يحدّق في العتمة الخفيفة الآخذة بالتبدّد بين الأثاث الرثّ المتوزّع في الغرفة. ودَّ لو أنه يصرخ في وجهها، لماذا لم تلدي لي ولداً يقينا شرَّ هذا العمر؟ لكنَّ صوتها الذي تهدّج بالتهليل جعله يبلع ريقه ويستغفر ربه. وحين رفعت الغطاء لتوقظه كعادتها، عبقت في أنفه الرائحة المكبوتة تحت الغطاء دافئة وهَرِمة، سمع صوتها مغلَّفاً بالنوم: أراد أن يستعرض مشوار العمر المقذوف خلفه، وقد خرج من البيت وهو يتحاشى هذه المحاولة. يحاول أن يقترب من الرجل الذي يقف بجانب أكياسه، ضحك صاحب الدكان وغمز بعينيه ثم قال بلهجة مستهترة: لن تستطيع حمل كل هذا يا (نعمان)، بانت ابتسامة صفراء على وجه صاحب الأكياس وبدا في ملامحه نوع من الانتصار غير المسوَّغ. باهتاً ومقوّساً وشعور بالشفقة تجاه نفسه يغمر كيانه. لكن وقفته بجانب الأكياس والصلابة التي افتعلها بملامحه وجحوظ التحدّي الذي في عينيه، لكن صاحب الدكان أزاحه برفق قائلاً: - لن تستيطع ذلك يا (نعمان)، وودّ لو أنه يحمل هذه الأكياس وينثرها على أرضية السوق ويدوسها، يركض حتى يلقي برأسه على صدر امرأته منتحباً. بل تقدّم صاحب الدكان وأخذ ينادي وصوته يرتج في أنحاء السوق ممطوطاً . تقدَّمَ أحد الصبية من صاحب الدكان وقال بصوت رفيع: - لحظات ويأتي (عاشور) لقد ذهب في حمولة قريبة. واشتدت سواعد (نعمان) قسوة، وتثبتت قدماه فوق الأرض وتشنّجت ملامحه. لاحظ ذلك بعض الحمّالين في السوق وأخذوا يقتربون من الدكان، كما اقترب بعض الفضوليين، وهنا أحسّ (نعمان) بعمق التورّط، أطلّ (عاشور) من عند بوّابة السوق، رآه (نعمان) شاباً مديد القامة مفتول العضلات، عيناه تتراقصان وخطواته سريعة. ركض فَرِحاً باتجاه الدكان واقترب من الأكياس، احمل يا (نعمان) إن كنت تستطيع. شهق (نعمان) وتطلع في عيني عاشور بقسوة، وتدخّل صاحب الأكياس موجّهاً كلامه لعاشور: أدرك عاشور بسرعة بأن الأمر لا يخلو من المراهنة. حلَّ صمتٌ عجيب على المكان. أخرج (عاشور) حبله وربط به الأكياس الثلاثة ومن ثم ألصق ظهره به، وتلفَّت مخاطباً صاحب الأكياس: - عشرة قروش بشرط أن تضعها في السيارة. قالها (نعمان) وأدار ظهره للبضاعة – ربط الأكياس بقوة وأحكم وضع الحبل بشكل دائري حول العصبة الملتفة حول رأسه ونهض محدِّقاً بعاشور وفي الوجوه التي غُصَّ بها المكان. شدَّ رأسه قليلاً ليقيس مدى الثقل، شدَّ همّته بحيث تتوازى مع الحمولة. أمسك بيدَيْن قويّتين الحبل. ارتجفت ساقاه قليلاً لكنه لم يَخْطُ أية خطوة كان يريد أن يثبت جسده فوق الأرض ويزيل هذا الارتجاف. تثبّتت ساقاه مثل مسمارَيْن فوق الأرضية الرطبة. وضع الأكياس بهدوء داخل مؤخّرة السيارة. شدَّ الحبل ووضعه على كتفيه. امتدّت يده المرتعشة لتقبض على عشرة القروش بقوة. سار بخطوات بطيئة باتجاه أحد الجدران. وفجأة أدار ظهره للسوق وسار بخطوات واهنة باتجاه البيت . وهو يصارع رغبة عارمة في البكاء.