تقترح الشعرية نفسها حقلا معرفيا ونقديا يبحث في قوانين الخطاب الأدبي، ومعنى هذا بأنها تنظر إلى النص من حيث عناصره التي تتحقق كينونته البنيوية بارتباطها ببعضها بعض عن طريق العلائقية. إذ تذوب كل تلك المجالات التي استفادت منها الشعرية في مجال بحثها الخاص، وإنما كانت محاولة لتقديم نظرة شاملة للقوانين التي تحكم هذا الجنس الأدبي. ولم يكن عمود الشعر في بداية التنظير له إلا محاولة عربية جادة لفهم طبيعة التشكل الشعري في أنموذج من شعر الجاهليين، قبل أن يتحول ذلك العمود من مجرد وصف الشعرية عربية في مرحلة معينة إلى قانون يعاقب كل من يخرج عنه بالرفض والإقصاء من دائرة الشعرية العربية. أي من النقطة التي تجعل النص الشعري كلاما، وصارت كل ملامح النثرية حين تطفى على خطاب شعري تبديه هزيلا. ورفض التعريفات القديمة التي حصرته في عنصر الوزن بل اختزلت الشعر جميعا في هذا العنصر الذي قد تنعدم الشعرية على رغم وجوده، نقطة الاختلاف بين الشعر والنثر تقترح المفارقة نفسها ظاهرة شعرية لا تكتفي بأن تكون عارضة في النص وطارئة على ملامحه الشكلية والمضمونية، أن تكون مرتبطة بكل عنصر من العناصر المكونة للنص، ومتغلغلة في أعماق بنيته،