لخص هذا النص حتى تحجرت فنونه وأغراضه، وأصوله، والتشبيب في المدح والسيف والفرس في الفخر والمباهاة والناقة في الوصف ولكن نحن إذ نرى فيه مظاهر الجمود، وقد انتهى هذا التطور إلى ذلك التصنع اللفظي الذي جعل الأدب عبثاً خالياً من كل قيمة إنسانية حقة فمن أمثلة التطور ما صنع "بنو عذرة" الذين نحوا في الغزل منحى لا يزال يسمى حتى اليوم بالغزل العذري فبينما كانت تقاليد الشعر الجاهلي تفيد الشعراء بأسلوبه ومنهجه في قريض الشعر، فيوفر الجهد على التحدث عن لواعج الحب وتباريخ الغرام ويكفي لنا أن تقارن بين الشاعر الجاهلي امرئ القيس، وعزل أحد العذريين كقيس أو جميل، وبخاصة في قصائد المدح إذا أراد أن يدعو إلى الإقلاع عن استهلاليا بوصف الأطلال والناقة، ومن الأمثلة ما ظهر في العصر العباسي من مذهب أدبي له جميع الخصائص المذهبية، إذ تناوله الأدباء والنقاد بالتحليل النظري، وإيضاح الخصائص المميزة، كما اقتتلوا في الدفاع عنه، والرد على كل من هاجمه وهذا المذهب هو المعروف باسم مذهب البديع الذي اعتبر أبو تمام ممثلاً له ثم تقسيم الأدب إلى مختلف العصور من جاهلي إلى أموي إلى عباسي أيضاً من أمثلة وجود المذاهب الأدبية عند العرب، وإن كان هذا التقسيم نظرياً يقع موقع الاختلاف عند نقاد العصر الحديث. وتم اتصاله بالغرب وظهرت آثاره السلبية والإيجابية، فشهد الأدب العربي تيارات جديدة في أسلوبه ومنهجه ويفضل النزعات الغربية فيه ظهرت نماذج عربية من المذاهب الأدبية الغربية من الكلاسيكية، والرومانسية. والواقعية والرمزية، وما إلى ذلك ومن أقوى هذه المذاهب الكلاسيكية والرومانسية بما أن موضوع البحث هو متابعة آثار الكلاسيكية في الأدب العربي الحديث يجدر بنا أن تخصص سطوراً لإلقاء الضوء عليها وعلى العريفيا وتاريخها. الكلاسيكية تعد الكلاسيكية أول وأقدم مذهب أدبي نشأ في معقله "أوربا" بعد أن خرج الغرب من وهدة التخلف والظلام، وبعد أن ابتدأت حركة البحث العلمي في القرن الخامس عشر الميلادي ذهب الدارسون إلى أن القرن السادس عشر الميلادي هو تاريخ الظهور مبادئ الكلاسيكية وأصولها في الأدب الغربي ونقده، القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين عصر لنموها وازدهارها، وإلى أن القرن التاسع عشر الميلادي زمان لاندثارها وانسحابها من ساحة الأدب يدل على ذلك ما سجل في الموسوعة العربية العالمية "غلب طابع كلاسيكي وتقليدي على الأعمال الأدبية على منوال من سبقوهم من القدماء رافضين الهيمنة الدينية على المجتمع، وداعين إلى تحكيم العقل وبعد الكتاب مثل توماس هوس وجون لوك والسير إسحاق نيوتن من رواد هذا الدور الأدبي ظهرت طلائع الكلاسيكية في إيطاليا نقل فيا العلماء المخطوطات الإغريقية واللاتينية القديمة التي مهدت طريق رواد الكلاسيكية إلى وضع أصولها، ومع ذلك لم يكن من حظ إيطالها أن تكون المهد الحقيقي للكلاسيكية، بل إنها نضجت في فرنسا، حيث فتنت قواعدها، بعد إلى إنجلترا وألمانيا. تعريف الكلاسيكية هناك آراء عدة في أصل كلمة كلاسيك ولكنما يتفق عليه النقاد هو أنها قد مرت بتطورات عديدة، وكان لها في كل طور معنى خاص إنها في أول الأمر اشتقت من أصل لاتيني Classic بمعنى الأسطول ثم أصبح هذا الأصل اللاتيني يفيد معنى القطعة الواحدة من الأسطول بعد ذلك أصبحت تدل على الوحدة من أي شيء ثم استخدمت للدلالة على الوحدة المدرسية "الفصل" التي تضم مجموعة من الطلاب. وللدلالة على الطبقة الاجتماعية والمنزلة الاجتماعية الرفيعة والامتياز والتفوق والأناقة ومنها استعيرت للدلالة على الأدب الجيد في الأسلوب الرفيع الذي يدرس في المدارس وأخيراً صارت اسما المذهب أدبي أسس الكلاسيكية سبق لنا أن نشير إلى أن الكلاسيكية ظهرت على أنقاذ الأدبين الإغريقي واللاتيني، وإثبات تفوقيم العلمي على شعوب العالم ولم يكن لتحقيق كل هذا طريق إلا إحياء التراثين الإغريقي واللاتيني الذين وصلا إلهم من خلال المخطوطات والدراسات العلمية التي أنجزها العلماء المسلمون بعدما ترجمت الكتب اليونانية إلى العربية ففي الساحة الأدبية اعتمد الأوربيون على الأدبين اليوناني والروماني اللذين رأوا فيما النموذج الأرفع للأدب. فتم تنظير الكلاسيكية على هذين الأساسين 1 محاكاة أدباء الإغريق والرومان وتحليل أثارهم ودراستها واستنباط الأصول الفنية منها التي قامت عليها الكلاسيكية وكان من أبرز هذه الآثار ملحمنا "الإلياذة"، و"الأوديسة" لهوميروس، ومسرحيات سوفوكليس ويور بيدس وغيرهم المصدر الأساس الذي تعتمد عليه الكلاسيكية الخصائص العامة للكلاسيكية كل مذهب أو مدرسة تحمل خصائص وميزات تميزها عن غيرها، وكل من يلبلي هذه الخصائص مع الاعتماد على المنظور الأساسي بعد حامل لواء المذهب فالكلاسيكية أيضاً لها خصائص بلازم بها أدباء هذه المدرسة، -1- تمجيد الأدبين اليوناني والروماني، 2 الدعوة إلى نزعة عقلية متشددة، واعتبار العقل أساساً لفلسفة الجمال ومصدراً للقواعد الأخلاقية -3 التعبير عن العواطف الإنسانية العامة كالحب والحقد والغيرة والحسد وغيرها. الاهتمام بالطبقات العليا في المجتمع، وقلة الاهتمام بالطبقات الشعبية والعامة. والمأساة (التراجيديا) بوجه أخص وفصاحة التعبير من غير تكلف ولا زخرفة لفظية 11 حرصها على الاتساق والتوازن ورسوخ العادات والتقاليد. ظهور الكلاسيكية في الشعر العربي: ذكرنا سابقاً أن من أهم الأسس التي اعتمدت عليها الكلاسيكية هو تمجيد الأدب القديم من أداب اليونان والروم، وبناء العمل الأدبي على المتقدمين من العلماء والفلاسفة من أمثال أفلاطون وأرسطو، كما نراه ينوه بأعمال المتقدمين من الشعراء والأدباء، ويحرص على أن يبني عمله الأدبي على أسالييم وهذا هو الجامع المشترك بين الكلاسيكية الغربية والكلاسيكية العربية التي عرفت بالمدرسة الاتباعية أيضاً. سبقت المدرسة الكلاسيكية كل المدارس اللاحقة، المدارس الأخرى، والمنبع القرار الذي أفادها كثيراً. لذلك عذ رائدها "البارودي" زعيم المجددين في ساحة الشعر العربي عرف البارودي كيف يحقق للشعر الحديث الأصالة العربية والقوة والجزالة في الأسلوب بعد أن سار على الاتجاه الجامد في العصر العثماني إنه عرف كيف يعيد للشعر العربي ديباجته القولة، وكيف يرجع به من عصور التخلف إلى عهود القوة والنضارة، والطلاء الغث والركاكة في اللفظ والضحالة في المعنى والتقليد العصور الضعف والعجمة فالفضل كله يرجع إليه في إحياء الشعر العربي، وتشكيل مدرسة ذات طابع كلاسيكي واتباعي تعتمد على القديم، وتنبذ كل ما يمت إلى الغرب ومن أهم أعلام هذه المدرسة شوقي وصبري، وحافظ إبراهيم، والبكري، والجارم، وغيرهم خصائص الكلاسيكية العربية 1 أهم خصائص المدرسة الكلاسيكية العربية مثانة الأسلوب والعناية به عناية فائقة فقلما تجد خروجاً على قواعد اللغة، أو خطأ أو ركاكة، وإنما تجد شعراً مصقولاً متيناً، مشرق الديباجة تجد هذا عند صبري، وعند حافظ، وعند عبد المطلب، وعند البكري والجارم والبارودي وغيرهم على اختلاف بينهم في تقليدهم الشعراء الأقدمين الذين تأثروا بهم فمنهم من راقه شعراء العصر العباسي فقلدوا أبا نواس والبحتري والمتنبي، وجاء شعره بدوني 2 ومن خصائص هذه المدرسة استخدام القصيدة بمظهرها المعروف ذات الروى الواحد، والقافية الواحدة. والوزن الواحد وكثيراً ما ابتدأوا تلك القصيدة بالنسيب. كما كان يفعل الشعراء العرب الأقدمون أو تركوا النسيب كما فعل ذلك من قبلهم بعض شعراء العصر العباسي حيث بدنوا بالغرض من غير تلك المقدمة الموروثة عن الجاهلية، الغالب على شعر هذه المدرسة هو جعل البيت - كما كان من قبل - وحدة القصيدة، ويجوز فيها التغيير والتبديل من غير إخلال بالمعنى ومن خصائصها أيضاً أن موضوعات شعرهم قلما طرأ عليها تجديد إلا بعضا من التغيرات التي اقتضايا خصائص العصر العامة فأعليم كان متاحاً يمدح الخليفة وإن لم يعرفه، بالطبقة الراقية من الأمة، فيمدحون أعلامها، ويرثون عظماءها أضف إلى ذلك كله اهتمام الكلاسيكيين بالوصف، وعنايتهم بالمدح والهجاء والفخر، وما إلى ذلك من المعاني الشائعة في الشعر القديم فلم يكن لديهم شيء جديد في هذه الساحة الشعرية، فلا نشتط إذا قلنا إن معظم الشعارهم مأخوذة من الأدب العربي القديم، ومن المعاني المتداولة فيه، وذلك لأن الكلاسيكيين لا يخالجهم الشك في أن اتباع القديم في الأدب والحفاظ على بيان اللغة العربية وإشرافها،