يعد الجهاز المصرفي الممول الرئيسي في اقتصاديات المديونية أين تكون الاحتياجات المالية كبيرة جدا بالنظر إلى الأموال المتاحة، وقد عرف هذا القطاع إصلاحات عديدة منذ الاستقلال، لكن التزامه بتمويل القطاع العمومي شكل عبئا ثقيلا على وضعيته المالية مما حال دون تحقيق الأهداف المرجوة. وبالنظر إلى ما تمليه المعطيات الاقتصادية والمالية الجديدة على المستويين الوطني والدولي، فإن هذا القطاع لا يزال يواجه تحديات كبيرة وعلى جميع المستويات، مر الجهاز المصرفي والمالي في الجزائر بعدة مراحل، وقد كانت البداية سنة 1966 بتأميم البنوك الأجنبية ليتشكل بذلك الجهاز المصرفي الجزائري، واحتفظ هذا الأخير بهيكله كما هو إلى غاية بداية الثمانينات، وتجدر الإشارة أن أهم ما ميز النظام البنكي الجزائري منذ الاستقلال حتى بداية الثمانينات ما يلي: -ازدواجية النظام البنكي من قطاع بنكي وطني قائم عل أساس اشتراكي وسيطرة الدولة، وقطاع بنكي أجنبي قائم على أساس ليبرالي رأسمالي، -احتكار الخزينة العمومية للساحة المالية وهيمنتها على جميع أوجه النشاط المالي والبنكي. حيث كانت مجرد مصدر للتدفقات النقدية بين الخزينة العمومية والمؤسسات الاقتصادية العمومية. -على مستوى توزيع القرض وجمع الموارد، كما أعطيت البنوك حق الإطلاع على الوضعية المالية للمؤسسات قبل الموافقة على منح القروض، وحتى يصبح هذا القانون أكثر توافقا مع استقلالية المؤسسات العمومية، كما نص نفس القانون على ضرورة استعادة البنك المركزي صلاحياته في تطبيق السياسة النقدية، وبعدما اتضح أن قانون 86/12 غير ملائم للوضعية الاقتصادية، حيث تم إلغاء مبدأ التخصص وأصبح بإمكان البنوك القيام بكل أنواع العمليات البنكية في كل القطاعات الاقتصادية، وبذلك تكون البنوك العمومية قد تحصلت على نظام البنك الشامل. كما نص نفس القانون على ضرورة إنشاء سوق مالية وتطوير السوق النقدية وتوسيع عملياتها، الشيء الذي يسمح للبنوك بتسوية ولو جزء من سيولتها عن طريق تدخلاتها في هذه السوق، باشرت السلطات العمومية في إعادة رسملة القطاع البنكي، وقدرت التكلفة الإجمالية لهذه العملية بنهاية سنة 2001 ما قيمته 15 مليار دولار، كما تمت إعادة هيكلة التخصص الوظيفي للبنوك كما هو الحال بالنسبة للصندوق الوطني للتوفير والاحتياط الذي تم تحويله إلى بنك تجاري وكذا البنك الجزائري للتنمية. وبالرغم من الإصلاحات العديدة التي مست القطاع المصرفي الجزائري، يتسم النظام المصرفي الجزائري اليوم بما يلي: وهي مستحقات البنوك على المؤسسات العمومية الاقتصادية أساسا. ففي الوقت الذي تقوم فيه البنوك الدولية بتقديم أكثر من 360 خدمة لزبائنها، فإن البنوك الجزائرية لا تصل حتى إلى مستوى خدمات باقي الدول النامية والمقدرة بـ40 خدمة مما يقلل من قدرتها التنافسية وتنمية رأسمالها. -توسع وامتداد المجال الجغرافي مما يعوق عملية التنسيق الداخلي وتبادل المعلومات بين مختلف الهياكل. -ثقل الإجراءات البيروقراطية والتعقيدات في المعاملات البنكية، -ضعف كفاءة آداء العنصر البشري وعدم قدرته على استخدام الأساليب والأدوات المتطورة مما أثر على طريقة تسيير البنوك، أي الوسائل العامة والمحاسبة والأمانة على حساب الوظائف العملياتية التي ترتبط مباشرة بالنشاط البنكي المحض، والمتمثلة في العلاقة مع الزبائن وتسيير وسائل الدفع، أضف إلى ذلك أن عدد كبير من العمال لم يتلق تكوينا تقنيا معمقا بل مجرد تكوين ميداني لا يكفي عادة لممارسة المسؤوليات المسندة إليهم. -نقص الوسائل المادية مقارنة بالاحتياجات الفعلية مما يحول دون التكفل السليم بالعمليات البنكية ومحدودية نظام الإعلام الآلي غير المتكيف والقليل الفعالية مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة. كل ذلك أسفر عن فشل البنوك في قدرتها على جلب المدخرات وتحسين نوعية الخدمات التي تقدمها. لقد تمكنت السلطات العمومية الجزائرية خلال الإصلاحات السابة من قطع شوط كبير في إعادة هيكلة الأطر المؤسسية والقانونية للنظام البنكي، فلا يزال هذا النظام يواجه تحديات كبيرة تولدت عن الأوضاع المتغيرة باستمرار والناتجة أساسا عن العولمة وتحرير الأسواق الدولية. 3-التحديات التي تواجه القطاع المصرفي: ترتبط مقدرة المصارف على النمو والتطور بمقدرتها على مواكبة التحولات الجديدة وعلى المنافسة المفتوحة في مجال الخدمات والمنتجات المصرفية، ويمكننا حصر أهم التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في الجزائر في نوعين أساسيين هما: التحديات الداخلية والتحديات الخارجية. إلا أنها لا تزال تعاني من صغر أحجامها مقارنة مع البنوك العربية والأجنبية، حيث أن الاتجاه السائد الآن هو اندماج البنوك فيما بينها من أجل تقوية مكانتها وتعزيز كفاءتها. يكون لممارسات بعض البنوك انعكاسات هامة على أداء البنوك الأخرى وتطوير الصناعة البنكية، -تجزئة النشاط البنكي: لقد أدت السياسة التنموية المتبعة في الجزائر والمرتكزة على تخصيص الموارد المالية بطريقة مخططة لتشمل مختلف أوجه النشاط الاقتصادي لتحقيق التنمية الشاملة إلى خلق نوع من التخصص في النشاط البنكي وهذا بإتاحة القروض لقطاع معين بذاته، وانعكس ذلك على تجزئة النشاط البنكي وما ترتب عنه من كبت العمل بآلية أساسية تعتبر بمثابة محرك النشاط البنكي بشكل عام ألا وهي المنافسة في السوق البنكي، -هيكل ملكية البنوك: يتسم هيكل ملكية الجهاز المصرفي الجزائري بالمساهمة الكبيرة للقطاع العمومي، تصاحبه سيطرة كاملة لهذا القطاع على إدارة وعمليات البنوك. وقد أثر وجود الملكية والسيطرة في الهيكل المالي للمصارف على استراتيجيات وعمليات المؤسسات البنكية بشكل كبير. وعلى الرغم من سياسة التقليل من نسبة ملكية القطاع العمومي في البنوك وتخفيف قيود الدخول إلى القطاع المالي والمصرفي، إلا أن القطاع العمومي ما زال يمتلك حصة الأسد في الجهاز المصرفي، -ضعف كفاءة أنظمة المدفوعات: تعاني أنظمة تسوية المدفوعات من ضعف كبير للأسلوب التقليدي المعمول به في إتمام عمليات المقاصة والمعتمد على الأسلوب اليدوي غالبا في فحص ومعالجة أدوات الدين. ويزداد الأمر حدة إذا تعلق بإجراء مقاصة بين غرفها المتباعدة مكانيا مما يؤدي إلى عرقلتها لفترة قد تطول وانعكاس ذلك سلبا على المتعاملين مع البنوك بسبب بقاء الشيكات دون مقاصة لفترة من الزمن. الشيء الذي حد من مقدرة البنوك على آداء مهام الوساطة من خلال تقليص السيولة المتوفرة لديها وزيادة تكلفة عملياتها. -ضعف استخدام التكنولوجيا والرقابة: يحتاج الجهاز المصرفي في الجزائر إلى زيادة مستوى الاستثمار في التكنولوجيا البنكية الحديثة، كما أن المنافسة الدولية تتطلب وجود بيانات قابلة للمقارنة وفق معايير موحدة، وهذا يتطلب بدوره جهدا لتطوير قواعد الشفافية ونشر البيانات والقوائم المالية بشكل مناسب لجذب المستثمرين الأجانب. -ضيق السوق النقدي الأولي والثانوي: يحتاج الجهاز البنكي إلى وجود سوق نقدية منظمة ومتطورة لما لها من أهمية بالغة لا يمكن تجاهلها، وتقاس درجة نمو السوق النقدي بعدة مؤشرات لعل أهمها الحجم الكلي للودائع، تعدد وتنوع الأصول النقدية والمالية، تعدد وتنوع البنوك المتعاملة في السوق وقدرتها على توفير أدوات الدفع، والقيام بعملية تمويل النشاط الاقتصادي بأقل تكلفة ممكنة. في حين يعتبر السوق المالي سوق الإدخار شبه السائل والائتمان طويل الأجل. وبذلك حرمت البنوك التجارية من مزايا التعامل مع هذه السوق من خلال التمويل، إلا أن نجاحها في الجزائر يتطلب المزيد من الجهود والإصلاح وتوفير الخبرات المتخصصة ذات القدرة والكفاءة الفنية العالية. بالإضافة إلى ضعف منظومة الاتصال التنظيمي، بين مختلف المصالح مما يصعب من التنسيق والتعاون بين المصالح بسبب انعدام التفاهم بين العاملين بالبنوك خاصة بين الإطارات والعمال. كما أن صعوبة تدفق المعلومات بالكمية المناسبة وفي الوقت المناسب ينعكس سلبا على عملية اتخاذ القرار. حيث أننا لا نلمس في الواقع الاستقلالية والتعامل على أساس المردودية التي نص عليها قانون 88-06 المعدل والمتمم لقانون 86-12، 3-2-التحديات الخارجية: تتمثل التحديات التي يواجهها النظام البنكي الجزائري في التغيرات السريعة في المحيط الدولي الذي يتعامل معه، -ظاهرة العولمة: ونعني بالأخص عولمة الخدمات البنكية والتي ستؤثر بصورة مباشرة على أداء البنوك التجارية الجزائرية. ويذكر أن لهذه الظاهرة إيجابيات تتمثل أساسا في المساهمة في رفع حدة المنافسة في ظل سوق بنكية مفتوحة تؤدي إلى تحسين الخدمات وتنويعها ورفع كفاءة أداء البنوك للوصول إلى المستويات العالمية. غير أن التحدي الحقيقي لظاهرة العولمة يتمثل في الآثار السلبية التي ستنجر عن هذه الظاهرة ومثال ذلك المنافسة غير المتكافئة مع البنوك الأجنبية التي يمتد نشاطها نشاطها للجزائر نظرا لعدم تأهيل البنوك الجزائرية لهذه المنافسة بسبب ما تعانيه من مشاكل. بالإضافة إلى تأثير سياسات البنوك الأجنبية على السياسات الاقتصادية للدولة، كدعم البنوك الجزائرية لبعض المؤسسات والقطاعات الاقتصادية المدرجة ضمن الخطط التنموية أو الإصلاحات الاقتصادية. -ظاهرة اندماج الأسواق الدولية: انتشرت هذه الظاهرة إثر إزالة القيود الدولية أمام توريد الخدمات البنكية والمالية بسبب تزايد التدفقات الرأسمالية التي فاق حجمها التجارة العالمية للسلع، مما أدى إلى ارتفاع عدد فروع البنوك ومن ثم ارتفاع حصة البنوك التجارية الأجنبية في الأسواق البنكية المحلية في العديد من دول العالم. -ظاهرة اندماج البنوك من التحديات الخارجية التي تواجهها البنوك التجارية الجزائرية في شكل بنوك عملاقة. -ظاهرة البنوك الإلكترونية: تعد هذه البنوك تحد من الدرجة الأولى لنظامنا البنكي والذي عليه مواجهته بكل حزم وجدية، بحيث تتميز البنوك الإلكترونية بقدرتها الفائقة والسريعة جدا على تقديم الخدمات البنكية في أي وقت وبدون انقطاع (24/24 ساعة)، يمكن قياس فعالية النظام البنكي في أي اقتصاد كان بعاملين أساسيين. ويتمثل العامل الأول في مدى مقدرة هذا النظام على تعبئة الموارد المالية خاصة تلك المتأتية من الإصدار النقدي. ينبغي أن نكون حذرين في إصدار الأحكام بناء على النتائج المتوصل إليها وهذا لمجموعة من الأسباب أقلها حداثة البنوك التجارية الجزائرية مقارنة بتلك العاملة في الدول المتقدمة، كما أن تكليفها بمهمة تمويل البرامج التنموية المخطط قد حد من مستوى آدائها، يتضح أن الحاجة ملحة اليوم لقيام السلطات العمومية باتخاذ مجموعة من الإجراءات والإسراع في تجسيدها ميدانيا بغية الرفع من أداء هذه البنوك استجابة للتطورات الحاصلة في جميع الميادين وطنيا ودوليا، لذلك نوصي بما يلي: بإعادة النظر في العلاقة التي تربط هذه المؤسسات بالدولة، وذلك في حدود ما للدولة من حقوق وما عليها من واجبات كباقي المساهمين (احترام الدولة لقواعد السوق كأساس لهذه العلاقة). -الاهتمام بتنمية الموارد البشرية وتكوين إطارات بنكية حسب المقاييس الدولية. -تشكيل شبكة فروع واسعة في مختلف أرجاء الوطن للتقرب أكثر من الأعوان الاقتصاديين. -إتمام إجراءات التطهير المالي للبنوك. مع تكوير وسائل الدفع وتعميم استعمالها. -تطوير شبكة الاتصال بين الوكالات وبين البنوك نفسها. فالنظام البنكي في الجزائر يمتلك المقومات الأولية الضرورية التي تمكنه من انطلاقة فعلية نحو تطوير خدماته والرفع من مستوى آدائه للاندماج بفعالية في النظام المالي الدولي الجديد.