والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فإن علم أصول الفقه يُعَدّ من أهم العلوم الشرعية التي بها يُفهم خطاب الشارع، وتُستنبط الأحكام العملية التفصيلية من أدلتها الكلية. فهو الميزان الذي يزن به الفقيه النصوص الشرعية، والقاعدة التي ينطلق منها المجتهد في بيان حكم الله تعالى لعباده. ولقد أولى العلماء هذا العلم عناية فائقة منذ القرون الأولى، وبيّنوا أصوله وضوابطه، حتى صار من أدق العلوم وأعظمها أثرًا في حياة الأمة. ومن أبرز موضوعات أصول الفقه التي كان لها أثر بالغ في فهم التشريع الإسلامي وتطور أحكامه: مسألة النسخ. إذ إن النسخ من القضايا الأصولية التي تناولها العلماء بالبحث والتفصيل، لما فيها من تعلق مباشر بفهم النصوص الشرعية، ولما يترتب عليها من بيان الناسخ والمنسوخ، وإزالة ما قد يلتبس على طالب العلم من التعارض الظاهري بين الآيات أو الأحاديث. وقد أجمع جمهور العلماء على مشروعية النسخ ووقوعه، ورأوا فيه صورة من صور رحمة الله تعالى بعباده وتدرجه بهم في التشريع، بما يحقق مصالحهم ويدفع عنهم المشقة والحرج. ويهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على موضوع النسخ في أصول الفقه، من خلال بيان تعريفه لغة واصطلاحًا، وذكر أدلته على المشروعية من القرآن والسنة والإجماع، إضافة إلى بيان الحكمة من تشريعه، وكيف كان النسخ مظهرًا من مظاهر التيسير الإلهي في التشريع، ودليلًا على كمال الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان.