إن بورصة -القيم المنقولة بالجزائر سوق حديثة لم يشهد النظام المالي في القانون الجزائري مثيلا لها من قبل وهو ما يفسر غموض هذه الهيئة في أذهان الكثير من الناس. لهذا سنحاول إعطاء فكرة تمهيدية عن ماهيتها لنتمكن من الحديث عن أحد أهم الهيئات المتدخلة في بورصة القيم المنقولة الجزائرية التي هي لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة الـ COSOB. وتعتبر بورصة القيم المنقولة القناة أو الممر الذي تسلكه الأوعية الادخارية الفائضة الموجودة تحت يد أشخاص طبعيين أو معنويين وطنيين أو أجانب، المدخرين واقتصاد الدولة برمته دفعت إلى ضرورة إيجاد آلية قوية من أجل تنظيم وضبط السوق. فالتاريخ أثبت أنه من غير الممكن ترك سوق التداول يفلت من أي نوع من الرقابة، لهذه الأسباب أوجد المشرع الجزائري سلطة من أجل ضبط السوق، فماهي سلطة ضبط سوق البورصة في الجزائر؟ وما هي الإمكانيات التي منحت لها؟ وهل تملك هذه اللجنة الاستقلال الكافي لتتمكن من أداء مهامها على أحسن وجه دون أن تتأثر بنفوذ السلطة التنفيذية الذي من شأنه إرباك مهامها؟ للإجابة على هذه التساؤلات ينبغي في البداية أن نوضح مفهوم نظام البورصة وتطورها التاريخي عموما مع عرض التطور التاريخي لبورصة الجزائر (المبحث الأول). بعد ذلك نقوم بدراسة الجوانب القانونية للجنة تنظيم عمليات البورصة (المبحث الثاني). تنسب كلمة بورصة لعائلة فان دير بيرس" البلجيكية "Van Der Beurse " والتي أشتهر عن أفرادها من الأجداد إلى الأحفاد اشتغالهم بأعمال الوساطة والسمسرة لنزلاء الفنادق الوافدين على مدينة "Broker-Innkeepers " وذلك طيلة القرن الرابع عشر والنصف الأول من القرن الخامس عشر فلم يكن مستغربا أن يتسمى الميدان الذي تحيط به ثلاث قنصليات ويعد ملتقى التجار الذين يتعاملون في مختلف أنواع السلع وتجمع رجال الأعمال، حيث أقيمت هذه البورصة على أنقاض بورصة بروج. إن نظام البورصة كسوق يتم فيه تداول القيم المنقولة عن طريق عملية بيع هذه القيم من طرف المالكين للأسهم والسندات الذين يرغبون في الحصول على مبالغ مالية مقابل هذه المنقولات التي يملكونها، وعن طريق عملية الشراء لهذه القيم المنقولة من طرف المستثمرين الذين يملكون فوائض مالية. إلى أن أصبحت نظام محكم بالغ الدقة يتعدى النطاق الجغرافي الذي يتواجد فيه السوق لتصبح البورصة سوقا يتعدى حدود الدول. إن بورصة القيم هي السوق الذي تتم فيه عملية التداول للقيم المنقولة، عن طريق وسطاء تداول يملكون اعتمادا رسمياً، وهي سوق ذات طابع تجاري استنادا إلى طبيعة نظام العمل فيها، هذا التعريف يصف بورصة القيم بالسوق ولم يحددها بمكان جغرافي معين وهو ما يتفق والمفهوم الحديث للبورصة التي تجرى فيها الصفقات بالطريق الالكتروني على قيم منقولة مجردة من طابعها المادي، ولا يمكن المالك للقيم أن يتداول إلا عن طريق وسطاء في عمليات البورصة يملكون الاعتماد الرسمي الممنوح من طرف هيئة ضبط السوق. ويقوم الوسيط بإبرام الصفقات لصالح الزبائن بعد إتباع أشكال وإجراءات محددة قانوناً. والبورصة سوق خاضعة لأحكام قانون التجارة رغم أن مرتاديها من بائعين ومشترين للقيم المنقولة لا يخضعون لأحكام القانون التجاري أو هم ليسوا تجارا. والمشرع الجزائري لم يعط تعريفاً قانونياً دقيقاً لبورصة القيم واكتفى بالإشارة إلى معالمها المادية، 93 المتعلق ببورصة القيم المنقولة بأنه "تعد بورصة القيم المنقولة إطاراً لتنظيم وسير العمليات فيما يخص القيم المنقولة التي تصدرها الدولة والأشخاص الآخرون من القانون العام والشركات ذات الأسهم". يتضح جلياً من خلال النص أن المشرع تفادى الخوض في مغامرة تعريف بورصة الجزائر تعريفاً قانونياً دقيقاً قد يتعرض من خلاله للنقد أو قد لا يتمكن من الإحاطة بجميع جوانبه القانونية أو أن يقع في تناقض من شأنه أن يحدث مشكلات عملية في المستقبل، يجب أولا أن نبحث في معنى مصطلح البورصة وأصل البورصات عموماً (الفرع الأول)، الفرع الأول: التطور التاريخي للبورصة عموما أورد المؤرخون عدة روايات متضاربة يختلف بعضها عن البعض الآخر بورصات القيم المنقولة في شكلها وهياكلها ونظمها القانونية الحالية جاءت نتيجة إفرازات تاريخية وظروف وضرورات اقتصادية امتدت عبر مدة طويلة. بورصات السلع والبضائع التي تتم فيها التعاملات على سلع معينة كبعض المحاصيل الزراعية المهمة، هذه الأخيرة تعتبر نمطا متقدما جدا نشأت بعد بورصات السلع والبضائع التي تعتبر نمطا بدائيا، صكوك الدين الموحدة، وكان المتعاملون يتداولون هذه الصكوك في الطرق العامة والمقاهي. أما في لندن كان المتعاملون بالأوراق المالية يتداولون في المقاهي الشهيرة في لندن، بعد ذلك توالت التشريعات في الدول، الفرع الثاني: تطور بورصة الجزائر بورصة القيم المنقولة في الجزائر تطورت عبر مرحلتين، 88. استعمال المشرع في هذا القانون تسمية شركة القيم المنقولة بدلا من كلمة بورصة القيم المنقولة سببه الفراغ التشريعي في تلك الفترة، حيث لم يكن يوجد نظام متكامل ومحكم من شأنه تنظيم بورصة حقيقية، لأن المنظومة التشريعية في هذه الفترة كانت تمر بمرحلة انتقالية من تشريعات خاصة بالنظام الاشتراكي إلى إصلاحات جذرية أدخلت الاقتصاد الجزائري في نظام السوق. فصدر المرسوم التشريعي رقم 110. المبحث الثاني: لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة حيث قررت الحكومة هجر النظام الاشتراكي القائم على احتكار الدولة للنشاط الاقتصادي والملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والذي كرسه دستور. 1976 وهذا انطلاقا من إعادة تحديد مفهوم الملكية العامة والانتقال من ملكية الدولة إلى ملكية المجموعة الوطنية، أصبحت وظيفة الاستغلال التجاري مفتوحة على المنافسة والمبادرة الخاصة للمتعاملين الخواص المحليين والأجانب، واكتفت الدولة ممثلة في إدارتها المركزية في إطار دورها الجديد بالتخطيط القطاعي وصياغة السياسات العمومية القطاعية دون تدخل مباشر في التسيير والرقابة. وتم تحويل وظيفة الرقابة الضبطية التي تعد امتيازا من امتيازات السلطة العامة لصالح هيئات الضبط المستقلة التي تتمتع بنظام قانوني خاص يسمح لها بأن تنوب عن الدولة في ممارسة وظائفها الضبطية والرقابية الجديدة رغم أن بعض القطاعات لازالت توكل بهذه الوظيفة للإدارة المركزية. نتحدث في هذا الجزء من البحث عن إحدى أهم سلطات الضبط الاقتصادي في القانون الجزائري، هذه اللجنة ذات دور مزدوج تنظم وتطور السوق، وتعد الهيئة التي تراقب وتقي من الممارسات التي قد تضر بالتداول في البورصة وتقمعها إذا ما اكتشفت حدوثها وتقوم بجميع الإجراءات اللازمة للوقاية منها وتفادي حدوثها. المطلب الأول: المفهوم والتطور التاريخي للجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة حيث نصت المادة 20 منه أنه " تنشأ لجنة لتنظيم عمليات البورصة ومراقبتها. وتتكون من رئيس و06 أعضاء. " يتضح من خلال الصياغة الجديدة لهذا النص أن المشرع الجزائري أراد تعزيز مركز اللجنة بجعلها سلطة ضبط مستقلة لها شخصيتها المعنوية، السبب الذي دفع المشرع الجزائري إلى منح لجنة الـ COSOB الشخصية المعنوية وما ينتج عنها من استقلال مالي وإداري، هو محاولة تعزيز مركزها وإبعادها عن خطر الوقوع تحت وطأة جمود وبطيء النظام الإداري التقليدي، في التشريع الفرنسي هناك سلطة ذات نظام مشابه تسمى لجنة عمليات البورصة: جمعت المنظمة الدولية للجان القيم المنقولة Commissions International d'Organisation des Valeures»، (OICV)، وقد قدمت طلبا للانضمام لاتفاقية إوسكو (-OICV IOSCO) المتعددة الأطراف بتاريخ 2009/05/06. المنظمة الدولية للجان القيم المنقولة (OICV) هي منظمة دولية أنشئت في عام 1983 مع وجود أمانتها العامة في مدريد وهي تجمع بين منظمي البورصات الرئيسية في العالم وتجتمع مرة واحدة في السنة. وما إلى ذلك. المطلب الثاني: الطبيعة القانونية للجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة وتتكون من رئيس و06 أعضاء". 03 فأصبح كالتالي: "تؤسس سلطة ضبط مستقلة لتنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، لكن ما يثير التساؤل بخصوص هذا التعديل هو هل الهدف أن المشرع يريد تعزيز استقلالية اللجنة في مواجهة السلطة التنفيذية من أجل حسن سير السوق؟ أم أن هناك سبب آخر، وبالتالي فهي تتحمل المسؤولية عن جميع الأخطاء الناتجة عن قراراتها غير المشروعة. خاصة أن تزامن مصطلحي الإدارية والمستقلة يزيد من هذا الغموض. حيث هذه السلطات بداخلها الكثير من التناقضات وتطرح الكثير من التساؤلات والمشكلات القانونية. فهي تظهر بمظهر السلطة بالمفهوم الكلاسيكي للسلطة، وفي نفس الوقت تظهر كأنها إدارة ملحقة بالسلطة التنفيذية، حيث أن تسميتها بالسلطة لا يبرر أنها سلطة بالمعنى الكلاسيكي في القانون الإداري وانتمائها إلى السلطة التنفيذية ومنه إلى الإدارة أمر حتمي، وهو ما أدى إلى تناقض بين صفتها الإدارية واستقلاليتها في نفس الوقت فكيف يمكن أن تكون تابعة للسلطة التنفيذية رغم أنها لا تتلقى منها التعليمات والأوامر، فهي ليست مرؤوسة لها وتفلت من وصايتها ولا تخضع لأي نوع من الرقابة من طرف السلطة التنفيذية. فهي تتمتع بالاستقلال وليس الاستقلالية لأنه من الصعب الحديث عن استقلالية السلطات الإدارية في مواجهة الحكومة فالإدارة ليست مستقلة عن الحكومة بل هي تابعة لها والاستقلالية يمكن الحديث عنها بخصوص السلطة القضائية فقط بموجب نصوص الدستور، ومع ذلك تبقى هذه الاستقلالية نسبية. وبالرغم من ذلك فإن الطبيعة الإدارية تفرض نفسها، لأن الفصل في صفة الاستقلالية العضوية والوظيفية التامة عن الدولة مرهون بالعديد من العوامل ومجرد قول المشرع أن اللجنة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري لا يعني إطلاقا أنها مستقلة فعلا. المطلب الثالث: تشكيل واختصاصات لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة نصت المادة 20 من القانون رقم 03-04 تؤسس سلطة ضبط مستقلة لتنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتتكون من رئيس وستة أعضاء". وكأن المشرع في البداية لم يكن يريد لهذه اللجنة أن تكون سلطة السوق المستقلة التي تتخذ قراراتها دون الرجوع للسلطة. إن صح القول، من لجنة بسيطة ليس لها تصور في الفقه القانوني إلى سلطة ضبط إداري مستقلة ذات نفوذ قوي في السوق، تمارس اختصاصاتها بالأصالة دون الخضوع للدولة التي أنشأتها إلا أن المشرع لم يعزز كثيرا من تشكيلة اللجنة. لم يرفع من عدد الأعضاء في اللجنة من جهة، ما أعاق تمثيل جميع المتدخلين في السوق من جهة ثانية. فإذا كان تطوير السوق من صلب مهام اللجنة فانه كان من الأجدر توسيع العضوية فيها لتشمل ممثل عن شركة تسيير البورصة وممثل عن الوسطاء في عمليات البورصة، وممثل عن المؤتمن المركزي على السندات على أن يكون مبرر تمثيل هؤلاء هو نفسه الذي سمح بتمثيل الأشخاص المعنوية المصدرة للقيم المنقولة. وتصنف وظيفته كوظيفة عليا في الدولة المواد ، عضو يقترحه الوزير المكلف بالمالية، ما يلفت الانتباه حول نظام تعيين وإنهاء مهام رئيس اللجنة وبقية الأعضاء الآخرين، الأمر الذي دفع بعض الفقه إلى الحديث مطولا عن هذا النفوذ ومدى تأثيره على استقلالية اللجنة. اللجنة تضم فريق من المتخصصين لهم من الخبرة ما يجعلهم مستعدين للكثير من الاحتمالات التي قد تؤثر على توازن السوق. لكن ما يلاحظ على هذه التركيبة أن هناك غياب لأي تمثيل للسلطة التشريعية على غرار الكثير من لجان ضبط السوق في الدول المتقدمة التي نجد بعض أعضائها معينين من طرف رؤساء الهيئات التشريعية. من خلال دراسة تشكيلة اللجنة وطريقة تعيين الرئيس والأعضاء بتمعن قد نتحسس أن هناك ما يجعلنا نتساءل عن جوهر ومدى استقلاليتها نظريا وفعليا في آن واحد فنتساءل هل هذه اللجنة مستقلة فعلا؟ الفرع الثاني: مدى استقلالية اللجنة لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة هي عبارة عن هيئة إدارية مستقلة تمارس مهامها دون الرجوع إلى الدولة التي أنشأتها. هذه الأخيرة لا يمكن تحت أي ظرف أن تتدخل السلطة الإدارية التقليدية في نظام عملها، لكن هذه الاستقلالية محل نقد واسع اليوم في الفقه القانوني الجزائري، بل في وجودها من البعض ينكر وجودها فعليا لصالح اللجنة، والبعض الآخر يقول إنها نسبية جدا. ويرى البعض أن "طريقة تعيين الأعضاء بقرار وزاري من شأنها أن تفرغ مصطلح سلطة الضبط المستقلة من محتواه، الفرع الثالث: مهام وصلاحيات لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة نصت المادة 30 من القانون رقم 03. 04، "تتولى لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها مهمة تنظيم سوق القيم المنقولة ومراقبتها بالسهر خاصة على: -لا تخضع لرقابة اللجنة المنتوجات المالية المتداولة في السوق التي تحت سلطة بنك الجزائر. تقدم لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها تقريرا سنويا عن نشاط سوق القيم المنقولة، إلى الحكومة. أولا: مهام لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها في المقام الأول تكلف اللجنة بالسهر على حماية الادخار المستثمر في القيم المنقولة أو المنتوجات المالية الأخرى التي تتم في إطار اللجوء العلني للادخار، يتعلق هذا الدور بتدخلات اللجنة في كيفية عمل وسير الشركات التي تدعو الجمهور إلى الادخار وهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة. في المقام الثاني تسهر اللجنة على حسن سير سوق القيم المنقولة وشفافيتها عن طريق الإشراف على التداول في البورصة ذاتها وفي سوق التراضي. ثانياً: الوظيفة التنظيمية. لكي تتمكن اللجنة من ممارسة مهامها على أحسن وجه منحها المشرع صلاحية إصدار التنظيمات لضمان حسن سير السوق، وصلاحية حراسة ومراقبة السوق من أجل حماية المستثمرين فتقوم بسن قواعد وتنظيمات تتعلق برؤوس الأموال التي يمكن استثمارها في عمليات البورصة. وتلك المتعلقة أيضا بتسيير نظام التسوية وتسليم السندات. وطريقة الإصدار في أوساط الجمهور، وتعليق تحديد أسعارها. وتحدد الشروط التي يتفاوض على أساسها حول القيم المنقولة في البورصة. وفي الأخير، ومحتوى الشروط الإلزامية الواجب إدراجها في عقود التفويضات بين الوسطاء في عمليات البورصة وزبائنهم. وكذلك العروض العمومية لشراء القيم المنقولة. جعلها المشرع، فالبرلمان يراقب السلطة التنفيذية ولجنة الكوسوب بوصفها سلطة إدارية ليست مستثناة من هذا المبدأ. رغم ذلك، فإن الرقابة القضائية والبرلمانية على اللجنة لا تعد بأي حال من الأحوال ذات تأثير على استقلاليتها في أداء مهامها، ولا يشكل إطلاقا مساسا باستقلالية اللجنة. لأن الخضوع المباشر وغير المباشر لأعضاء اللجنة لوزير المالية ومنه إلى الحكومة ينتج عنه تحول لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة إلى مجرد إدارة تقليدية،