اشتغل فيه طبقتان من البصريين بعد أبي الأسود حتى تأصلت أصول منه كثيرة وعرفت بعض أبوابه . فإن الطبقة الأولى التى أخذت عن أبي الأسود استمرت في تثمير ما تلقته عنه ، وقامت بقسط في نشره وإذاعته بين الناس . وكان من أفذاذ هذه الطبقة عنبسة بن معدان الفيل، ونصر بن عاصم الليثى ، وعبد الرحمن بن هرمز ، ويحيى بن يعمر العدواني ، فلم تنبت بينهم فكرة القياس ، ولم ينهض ما حدث في عهدهم من أخطاء إلى إحداث تغرة خلاف بينهم لقرب عهد القوم بسلامة السليقة ، كذلك لم تقو حركة التصنيف بينهم ، وزعم بعض المؤرخين أن أستاذها أبا الأسود قد وضع مختصراً على ما تقدم بیانه . إذ وطأت لها سبيله ، ونشأت حركة النقاش بينها ، وكان من المشار إليهم فيها عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمى الذى يقول فيه أبو الطيب : « وكان يقال عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم ففرع النحو وقاسه» (١) ، وعيسى بن عمر الثقفى صاحب الكتابين في النحو : الجامع والإكمال ، وقد نوه عن فضلهما الخليل بن أحمد بقوله : ذهب النحو جميعاً كله غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع فهما للناس شمس وقمر وأبو عمرو بن العلاء صاحب التصانيف الكثيرة على ما ستعرف في ترجمته ، ورجال هذه الطبقة أظلتهم الدولة العباسية جميعاً خلا عبد الله بن أبي إسحاق الذي مات سنة ١١٧ هـ كما أنه أول من نشط للقياس ، وخرج مسائل كثيرة عليه ، فانفسح ميدان القول في هذا العلم ، وتداولوه في كتبهم التي كانت تساير روح هذا العهد ، فكان الأديب حينذاك نحويتا صرفيا لغويا ، يحملنا على هذا ما روى لنا عنهم فى نقاشهم ومحاوراتهم ،