يَقَعُ الْعَصْرُ الْأُمَوِيُّ بَيْنَ عُصُورٍ اَزْدَهَرَ فِيهَا الْأَدَبُ اَزْدَهَارًا بَيِّنًا؛ لَقَدْ سَبَقَهُ الْعَصْرُ الْجَاهِلِيُّ وَصَدُرَ الْإِسْلَامُ، وَفِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ كَانَ لِلشِّعْرِ مَكَانَتُهُ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَفِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ كَانَ الْأَزْدَهَارُ الشَّامِلُ لِشَتَّى الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَمِنْ بَيْنِهَا الشِّعْرُ الَّذِي تَطَوَّرَ تَطَوُّرًا وَاسِعًا، وَأَخَذَتِ الصَّنْعَةُ سَبِيلَهَا إِلَيْهِ. فَأَيْنَ مَوْقِعُ الْأَدَبِ الْأُمَوِيِّ مِنْ سَابِقِهِ وَلَا حَقِّهِ؟ وَمَا خَطُّ سَيْرِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ شِعْرِهِ وَنَثَرِهِ فِي هَذَا الْعَصْرِ؟ وَهَلْ طَرَأَ عَلَى فُنُونِهِ مِنْ تَجْدِيدٍ أَمْ ظَلَّ تَقْلِيدًا بَحْثًا؟ هَذَا مَا تَكْشِفُ عَنْهُ هَذِهِ الْمَحَاضِرَاتُ. العوامل المؤثرة في الأدب الأموي أولاً: السِّيَاسَةُ كَانَتْ حَيَاةُ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَانِمَةً عَلَى الْعَصَبِيَّةِ الْقَبِيلِيَّةِ، تِلْكَ الَّتِي أَشْعَلَتْ نِيرَانَ الْحُرُوبِ بَيْنَ قَبَائِلِهِمْ، وَمَرَّقَتْ الْمُجْتَمَعَ الْجَاهِلِيَّ. وَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَجَعَلَ أَخُوَّةَ الدِّينِ أَسْمَى مِنْ أَخُوَّةِ النَّسَبِ، وَنَهَى فِي سَبِيلِ ذَلِكَ عَنِ التَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ، وَجَعَلَ التَّفَاضُلَ عَلَى أَسَاسِ النَّفْوَى. قَالَ تَعَالَى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْفَاكُم" (سورة الحجرات). وَمَا إِنْ لِحَقِّ الرَّسُولِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى أَطْلَتِ الْعَصَبِيَّةُ الْقَبِيلِيَّةُ بِرَأْسِهَا، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ. وَلِيَسْتَأْثِرُوا بِالْخِلَافَةِ دُونَ بَنِي هَاشِمٍ. وَبُيْعَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - بِالْخِلَافَةِ. وَأَيْدُهُ مُعْظَمُ كِبَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَكِنَّ الْبَيْعَةَ لَمْ تَكْتَمَلْ، إِذْ انْشَقَّ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَأَخَذُوا يُحْرِضُونَ عَلَى الثَّارِ لِعُثْمَانَ، وَاتَّهَمَ بَعْضُهُمْ عَلِيًّا بِقَتْلِهِ وَأَخَذَ مَا فِي دَارِهِ مِنْ إِبِلٍ وَسِلَاحٍ بَعْدَ أَنْ بُويعَ بِالْخِلَافَةِ، فَهَذَا الْوَلِيدُ بْنُ عَقْبَةَ وَهُوَ أَخُو عُثْمَانَ لِأُمِّهِمَا أَرَوَى يَقُولُ : أَلَا مَنْ لِلَّيْلِ لَا تَفُورُ كَوَاكِبُهُ إِذَا غَارَ نَجْمٌ لَاحَ نَجْمٌ يُرَاقِبُهُ بَنِي هَاشِمٍ كَيْفَ التَّعَاوُدُ بَيْنَنَا وَعِنْدَ عَلِيٍّ سِفْهُهُ وَنَجَانِيهِ لَعَمْرُكَ مَا أُنْسَى ابْنَ أَرَوَى وَقَتْلَهُ وَهَلْ يَنْسِينَ الْمَاءَ مَا عَاشَ شَارِبُهُ فَلَا تَسْأَلُونَا سِفْكُمْ إِنِّ سِفْكُمْ ضَيْعٌ، وَالْفَاءُ لَدَى الرُّوعِ صَاحِبُهُ عَلِيٍّ وَلِيُّ اللَّهِ أَظْهَرَ دِينَهُ وَأَنْتَ مَعَ الْأَشْفَقِينَ فِيمَا تُحَارِبُهُ وتمادى الأمر بين الطائفتين إلى أن التقتا في صيفين سنة ٣٧هـ، وانتهى الأمر بالتحكيم إلى خلع عليّ وتثبيت معاوية. قيام دولة بني أمية : وذلك بعد أن تنازل الحسن بن عليّ عن حقّه في الخلافة تفادياً لنيران الفتنة والحروب. وزار معاوية الكوفة، وبايعه أهلها، فكان أول خليفة من بني أمية. وعدد خلفائها أربعة عشر خليفة، معاوية بن أبي سفيان (٤١-٦٠هـ) عبد الملك بن مروان (٦٥-٨٦هـ) سليمان بن عبد الملك (٩٦-٩٩هـ) يزيد بن عبد الملك (١٠١-١٠٥هـ) هشام بن عبد الملك (١٠٥-١٢٥هـ) يزيد بن الوليد بن عبد الملك (١٢٦هـ) إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (١٢٦-١٢٧هـ) مروان بن محمد بن مروان بن الحكم (١٢٧-١٣٢هـ) آخر خلفاء بني أمية اتَّسَمَ حُكْمُ الْأُمَوِيِّينَ بِالْعَصَبِيَّةِ: عَصَبِيَّةُ الْعَرَبِ عَلَى الْمَوَالِي وَالْعَجَمِ وَعَصَبِيَّةُ الْبَيْتِيَّةِ عَلَى الْقَيْسِيَّةِ وَلِبَنِي أُمَيَّةَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ و هُنَا اتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الْخِلَافَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا شِيعًا وَأَحْزَابًا، وَأَسْفَرَتْ عَنِ الْفُرْقِ الْآتِيَةِ: هُوَ الْحِزْبُ الْحَاكِمُ، أَخَذَ مُعَاوِيَةُ يُوطِدُ دَعَائِمَ مُلْكِهِ مُسْتَعْدِمًا دَهَاءَهُ وَحِلْمَهُ،