وفي أثناء هذا الجو العلمي النشط ظهر علم الاستشراق الذي يعتني بدراسة الغرب للشرق بكل مكوناته ومقوماته، وبمرور الزمن تعددت وتغيرت اتجاهات المستشرقين من علمية محايدة إلى عملية موجهة توجيهاً أيديولوجياً معيناً يخدم أغراضاً بعينها؛ اقتصادية أو عسكرية أو استعمارية أو دينية، جملة القول إن الغرب الأوروبي قد استطاع بكل ما وفره من إمكانيات لحركة الاستشراق بدءاً من القرن العاشر الميلادي أن ينقل إليه النموذج الحضاري الشرقي في فترة كان ظلام الجهل الدامس يخيّم على كل أرجاء العالم الغربي. وبمرور الوقت أصبح جلياً أن الاستشراق عني عناية كبرى بكل ما هو شرقي وإسلامي وعربي على حدة، وأنه فعل ذلك لأسباب ودوافع عديدة، فعني بالإسلام والقرآن والحديث وشخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) والفقه الإسلامي والتاريخ الإسلامي والعربي والفلسفة الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية وعلوم المسلمين الطبيعية والفنون الإسلامية والمجتمع الإسلامي والعلوم الإنسانية واللغة العربية والأدب العربي الإسلامي، حتى يمكن القول بأن الفكر العربي الإسلامي أخذ يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وأصالة جيلاً بعد جيل، وتلك حسنة من أهم حسنات الاستشراق في مقابل عواقبه الوخيمة. ويمكن التعرف على الملامح العامة لعناية الاستشراق بكل المجالات السابقة فيما يلي: ظهوره وانتشاره ونظامه، وجاءت عنايته بالقرآن عن طريق البحث في تاريخ ترتيبه ووحيه وجمعه وأصالته وتفسيره وترجمته وأسلوبه واعتباره مصدراً رئيساً للشريعة ومعاملاتها. وفي مجال الفلسفة الإسلامية اهتم الاستشراق بالبحث في أقسامها الثلاثة: الكلام والتصوف والأخلاق ومفاهيمها للمشكلات الفلسفية الكبرى مثل الوجود والمعرفة والإنسان، وغيرها من العلوم التي نهض بها المسلمون وأثروا بها في الغرب الذي بنى هو بدوره نهضته العلمية على إنجازاتهم ومناهج بحثهم فيها. وانصبت عناية الاستشراق بالفنون العربية الإسلامية على دراسة ظواهرها الخاصة ومعاييرها الفنية وعناصرها الزخرفية ومدارسها المتعددة ومشكلة التصوير في الإسلام، وأما عنايته باللغة العربية فقد حرص على دراسة كل ما يتصل بها، وذلك لصلتها الوثيقة بالإسلام والقرآن والحديث والشريعة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف وجه أو طوّع الاستشراق كل هذه المادة العلمية الإسلامية؟ فالبعض يثبت أن روح الحضارة الإسلامية كما كانت في التصوف عامة والحلاج المصلوب خاصة هي المسيحية. وثاني يثبت أن جوهر الحضارة الإسلامية كما بدا في الفقه عامة وفي التشريع خاصة هي اليهودية. وثالث يؤكد أن تأكيد الإسلام على المساواة والعدالة الاجتماعية وتحريمه الربا وكنز الأموال واحتكارها بين قلة من الأغنياء واعتبار العمل وحده مصدر القيمة وحق الحاكم في المصادرة للمال العام والتأميم لما به مصالح العباد قد تعطي مستشرقاً حديثاً قراءة ماركسية للإسلام. كما قد تدفع روح التجارة والربح والتفاوت في الرزق والنشاط التجاري الحر واقتصاد السوق مستشرقاً حديثاً آخر لقراءة الإسلام قراءة رأسمالية. النهضة، إلخ. وغيرهم، فأخذوا يختارون الأشياء التي تثير الأوروبيين على المسلمين. بل كانوا يضعون الاتهام أولاً ثم يبحثون عن الأدلة التي تقوي هذا الاتهام، ولأسباب سياسية تتصل بخدمة الصهيونية فكراً أولاً، ثم دولة ثانياً. فمن أسوأ مساوئ الاستشراق في العالم العربي والإسلامي أنه شارك مشاركة فعالة في الحركة الصهيونية التي تجاوبت مع كل القوى المعادية للعرب والمسلمين. وعلى الرغم مما بين المسلمين واليهود من عداوة تراكمت عبر القرون، ولعل موقف الاستشراق كان أشد خطراً من ذلك كله لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يرى الرؤية الموضوعية الواضحة ويبرز الحقيقة التي لا يشوبها الشك ولكنه لم يفعل ذلك بل تآمر مع الاستعمار والصهيونية في طمس الحقيقة واشترك في هذه الجريمة التاريخية ضد أمة لم تقدم للإنسانية إلا الخير عبر التاريخ. وعلى ذلك فقد لعب المستشرقون دوراً سيئاً في تشوية كثير من الأمور التاريخية وبالذات الدينية جهلاً أو عمداً وبتأثير عقائدي بالدرجة الأولى أدى إلى مسخ الكثير من الجوانب المشرقة ونقلها بصورة مبتورة، وألقت علامات الاستفهام حولها حتى إن بعضهم صوّر العصر العباسي على أنه فقط ليالي (ألف ليلة وليلة الماجنة وعصر الحريم) وشطحات أبي نواس، عاجزاً عن التطور ومعرفة الذات والموضوعية، ويسميه (الشريعة والعقيدة) وفيه بسط الكلام في أصل الإسلام والروافد التي أمدته على مر العصور على حد زعمه فهو يرى أن الإسلام ليس من صنع محمد (صلى الله عليه وسلم) وحده، وهذا كلام باطل ومرود عند المسلمين، حيث يريد هذا النوع من الاستشراق (المسموم) أن يشكل موقفاً غربياً من الإسلام يقوم على التعصب ضده، بطرح مسألة الاستشراق من جانبها الآخر أي من جهة المستشرقين أنفسهم لكي يردوا على انتقادات الشرقيين لأعمالهم، وكلود كاهين، كلهم يردون على موقفين أساسين من مواقف الاستشراق، إن قراءة أولية في ردود هؤلاء المستشرقين لتبين أنهم كما أجادوا الهجوم على الشرق ممثلاً في الإسلام وحضارته، وهم في مثل هذه الردود إنما يحاولون أن ينفوا عن الاستشراق (ظاهرياً أيضاً) ما وصمته به كتابات الشرقيين عن طريق إبراز مواقف بعض المستشرقين الذين درسوا الشرق دراسة علمية بحتة جعلتهم يتحمسون ويدافعون عنه، وليكن (فرانسيسكو غابرييلي) أحد كبار المستشرقين الايطاليين في القرن العشرين، وأسف لأن أنور عبد الملك قد سقط في الإدانة الأيديولوجية للإنتاج الاستشراقي ككل. ويرد على ذلك قائلاً: إنه من الخطأ والمغالطة أن نؤكد أن الباعث الوحيد والأساسي لاهتمام أوروبا بالعالم الشرقي من النواحي التاريخية واللغوية والأدبية والدينية كان مرتبطاً بالمخططات السياسية والاقتصادية للاستعمار. ويمكن أن يحاكموا فردياً إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك)، ولكن عدداً لا بأس به من كبار المستشرقين عرفوا كيف يميزون بين اهتماماتهم العلمية وبين الأهداف. إن الباحثين الشرقيين الذين ينتقدون الاستشراق هم أحرار إذا ما أرادوا أن يمدحوا الاستشراق السوفيتي دون غيره. ولكن ذلك لا يشكل مبرراً كافياً للاشتباه في مستشرق غير سوفييتي أو إدانته بتهمة العمالة للاستعمار. وبارتولد. وسوف يدهش هؤلاء كثيراً وهم في قبورهم إذا ما سمعوا أن الحماسة العلمية التي أنهت حياتهم كلهم قد أنزلت إلى مرتبة الخدمات الخسيسة التي قدمت للاستعمار الوليد أو الظافر. يشير كلام (غابرييلي) السابق إلى دعوة حق يراد بها باطل. ولكن عددهم من القلة بحيث يمثلون نسبة ضئيلة جداً لا تكاد تذكر أمام القطاع الأكبر من المستشرقين (المجندين) لتنفيذ مخططات الغرب تجاه الشرق، بمحاولة الطعن في الرسالة المحمدية نفسها، وباطنها العداوة والبغضاء للشرق عامة وللإسلام وحضارته خاصة، انسحاب النخب الثقافية الأوروبية كلمات الكتابة والقلق وأطياف من الماضي البعيد (2) العدد الأخير كتاب العدد خمسة وخمسون عاماً في التعليم بورتريه الأمير بدر بن عبدالمحسن حوار سحر خلجي: أشعل جوهر الفانتازيا والحلم' بدءاً من القرن العاشر الميلادي ولمدة قرنين من الزمان فيما عرف تاريخياً بحركة النقل والترجمة من العربية إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الغربية. وبمرور الزمن تعددت وتغيرت اتجاهات المستشرقين من علمية محايدة إلى عملية موجهة توجيهاً أيديولوجياً معيناً يخدم أغراضاً بعينها؛ اقتصادية أو عسكرية أو استعمارية أو دينية، وتلك هي أغراض الاستشراق الرئيسة الكبرى، لكن هل استطاع الغرب أن ينفذ مخططاته التي أرادها من الشرق وحضارته عن طريق حركة الاستشراق (المغلفة) بالاتجاه العلمي؟ وهل تمسك المستشرقون بقواعد البحث العلمي النزيه في رسم صورة أمينة لهذا الشرق الساحر في نظرهم وتقديمها للغرب، وبمرور الوقت أصبح جلياً أن الاستشراق عني عناية كبرى بكل ما هو شرقي وإسلامي وعربي على حدة، كما قام بترجمة عدد هائل من الكتب العربية إلى اللغات المختلفة وعني بتحقيقها، حتى يمكن القول بأن الفكر العربي الإسلامي أخذ يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وأهميةً سنة بعد سنة، ويمكن التعرف على الملامح العامة لعناية الاستشراق بكل المجالات السابقة فيما يلي: أما عنايته بالإسلام فقد ركزها على دراسة خصائصه العامة، وغيرها من المسائل التي ترتبط به. وجاءت عنايته بالقرآن عن طريق البحث في تاريخ ترتيبه ووحيه وجمعه وأصالته وتفسيره وترجمته وأسلوبه واعتباره مصدراً رئيساً للشريعة ومعاملاتها. وأما الحديث النبوي فقد ركز الاستشراق جهوده على دراسة تاريخه وجمعه وتدوينه وأهميته ورواته ومنزلته وأسلوبه واعتباره مصدراً للشريعة ومعاملاتها، ومذاهب علماء الإسلام في النقد الداخلي والخارجي له. وأما عنايته بعلوم المسلمين الطبيعية فقد اختص بدراسة الرياضيات والحساب والفلك والفيزياء والكيمياء والطب والصيدلة والنبات والجغرافيا والملاحة والفلاحة وعلوم الأرض. وانصبت عناية الاستشراق بالفنون العربية الإسلامية على دراسة ظواهرها الخاصة ومعاييرها الفنية وعناصرها الزخرفية ومدارسها المتعددة ومشكلة التصوير في الإسلام، وأما عنايته باللغة العربية فقد حرص على دراسة كل ما يتصل بها، فبحث في فقهها وأصواتها ولهجاتها ونحوها وصرفها ومعاجمها وغزارتها وعلاقاتها باللغات الأخرى -خصوصاً اللغات السامية- وكل ما أنتجته هذه اللغة، وذلك لصلتها الوثيقة بالإسلام والقرآن والحديث والشريعة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف وجه أو طوّع الاستشراق كل هذه المادة العلمية الإسلامية؟ وثاني يثبت أن جوهر الحضارة الإسلامية كما بدا في الفقه عامة وفي التشريع خاصة هي اليهودية. وثالث يؤكد أن تأكيد الإسلام على المساواة والعدالة الاجتماعية وتحريمه الربا وكنز الأموال واحتكارها بين قلة من الأغنياء واعتبار العمل وحده مصدر القيمة وحق الحاكم في المصادرة للمال العام والتأميم لما به مصالح العباد قد تعطي مستشرقاً حديثاً قراءة ماركسية للإسلام. كما قد تدفع روح التجارة والربح والتفاوت في الرزق والنشاط التجاري الحر واقتصاد السوق مستشرقاً حديثاً آخر لقراءة الإسلام قراءة رأسمالية. ومن ثم تصبح الحضارة الإسلامية مادة لتأييد المسيحية واليهودية أو تدعيم الماركسية والرأسمالية دون بحث في روح الحضارة الإسلامية ذاتها لا كوسيلة بل كغاية. ومن أجل ذلك تسلل المستشرقون إلى المجامع اللغوية العربية وعملوا في خدمة المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية في الغرب كما فعل أسلافهم مع الملوك والأمراء واتجهوا إلى غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين حتى يشبوا (مستغربين) في الوقت الذي يحرفون فيه التاريخ الإسلامي ويشوهون مبادئه. وغيرهم، فأخذوا يختارون الأشياء التي تثير الأوروبيين على المسلمين. بل كانوا يضعون الاتهام أولاً ثم يبحثون عن الأدلة التي تقوي هذا الاتهام، ومع ذلك كله فإن الواقع التاريخي للأمة الإسلامية لا يتوقع للصهيونية مستقبلاً زاهراً، ومهما طال وجوده فلا بد له من نتيجة واحدة وهي إزالة ذلك الجسم الغريب من مكانه. وألقت علامات الاستفهام حولها حتى إن بعضهم صوّر العصر العباسي على أنه فقط ليالي (ألف ليلة وليلة الماجنة وعصر الحريم) وشطحات أبي نواس، وهو بالطبع يريد أن ينقل الصورة إلى أبناء دينه من الغربيين على اختلاف جنسياتهم. عاجزاً عن التطور ومعرفة الذات والموضوعية، ومن قبيل ذلك أيضاً نجد مستشرقاً مثل جولد تسهير (المجري الموطن اليهودي الدم) يؤلف كتاباً عن الإسلام إسهاماً منه في حملة التعصب ضد الإسلام وأهله، ويسميه (الشريعة والعقيدة) وفيه بسط الكلام في أصل الإسلام والروافد التي أمدته على مر العصور على حد زعمه فهو يرى أن الإسلام ليس من صنع محمد (صلى الله عليه وسلم) وحده، فالعقيدة والشريعة بدأتا على يد محمد (صلى الله عليه وسلم) في القرن الأول، وبالتالي التشكيك فيه مع الاستعداد التام من جانب المستشرقين للرد على أي انتقادات موجهة إليهم من قبل المفكرين المسلمين والعرب. بطرح مسألة الاستشراق من جانبها الآخر أي من جهة المستشرقين أنفسهم لكي يردوا على انتقادات الشرقيين لأعمالهم، وفرانسيسكو غابرييلي، كلهم يردون على موقفين أساسين من مواقف الاستشراق، موقف أنور عبد الملك، وموقف إدوارد سعيد. فإنهم أيضاً يجيدون الرد على انتقاد مواقفهم، ويرد على ذلك قائلاً: إنه من الخطأ والمغالطة أن نؤكد أن الباعث الوحيد والأساسي لاهتمام أوروبا بالعالم الشرقي من النواحي التاريخية واللغوية والأدبية والدينية كان مرتبطاً بالمخططات السياسية والاقتصادية للاستعمار. ويمكن أن يحاكموا فردياً إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك)، إن الباحثين الشرقيين الذين ينتقدون الاستشراق هم أحرار إذا ما أرادوا أن يمدحوا الاستشراق السوفيتي دون غيره. ولكن ذلك لا يشكل مبرراً كافياً للاشتباه في مستشرق غير سوفييتي أو إدانته بتهمة العمالة للاستعمار.