الرواية للقصصى الروسي أنطون تشيكوف قالت الخادمة لسيدها بافيل ويسلى المؤلف الأشهر وهو على المائدة وقد وقد أقامت تنتظرك برهة طويلة قال المؤلف الأشهر : وقد جاءت ببعض سخافاتها تعرضها على لتصدع بها رأسى ، بعدا لها ولأمثالها ، خبريها أني مشغول . - ذلك من أصعب الصعب ، وهي ضمت ذراعيها على صدرها وصمدت إليه بعينيها كالضارعة المبتهلة . إنى تشرفت بلقياك مرة في بعض الحفلات . أنا الآنسة موراشكين . أ. إحم . ماذا عسى أستطيع أن أصنع لك ؟- قالت وأخذت مجلسا وقد زادت اضطرابا وربكة : - قد ترى يا سيدي . أنك لا تذكرني . وما زلت مولعة باجتلاء محاسن يراعتك ، واقتناء نفائس يراعتك ، لا أصانعك ولا أداجيك ، معاذ الإله وحاش بيانك الرائع ، وإنما أضع التحميد موضعه وأقر التكريم والتمجيد في نصابه ، وأثنى عليك بما أنت أهله ، هذا وإن لى أنا أيضا يا سيدى مشاركة في الأدب وقد أخذت بطرف من العرفان ، لا أزعم أني أحسب في عداد المؤلفين ، على أنى قد وفقني الله إلى أن أجود بما عندى وإن كان ضئيلا ، لم تقرأها بطبيعة الحال يا سيدي ، وقد ترجمت شيئا كثيرا ، وكان المرحوم أخي ينشر نبذا في جريدة الحرية قال بافيل : - لا شك في ذلك ولكن ماذا عساي أن أصنع لك ؟ . قد ترى يا سيدى . وما زلت تواقة إلى استجلاء آرائك ، أو بالأحرى إلى افها نصيحتك ، ولقد ألفت رواية تمثيلية ، وأريد عرضها عليك قبل النشر وعمدت السيدة إلى جعبتها و إنها لترتجف كالعصفور بلله القطر أو كأنها : قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح وكان صاحبها بافيل ) لا يحب أن يقرأ من الأوراق إلا . ما سطرت يداه ، فإذا هدد بإرغامه على قراءة مسودات غيره أو الإصغاء إليها أحس كأنه قد نصب أمام فوهة المدفع ، فلما بصر بالمسودة السمينة الضخمة طارت نفسه هلاعا وابتدر قائلا : دعيها . فسوف أقرؤها - لا بأس قالت السيدة بصوت واهن قد براه الحمد والشجى فكاد يبيد ورفعت يديها مبتهلة : - سيدى بافيل ! أعلم أنك مشغول جدا ، وأن كل لحظة من وقتك نفيسة قيمة ، وأعلم أنك تسبنى الآن وتلعنني في ضميرك ، ولكن تعطف على وحنانيك ! ودعنى أقرأ عليك روايتي . قال ( بافيل » متلجلجا : وضيق مجالي ، قالت السيدة بصوت كأنين الثكلى ورنة النائحة : سيدي بافيل ! وخنقتها العبرة فأجهشت بالبكاء وفاض دمعها مدرارا - لا أنكر أني أسألك تضحية عظيمة وأني قد بالغت في الفضول والتطفل ، فلئن كان ذنبي عظيما فإن رحمتك وحنانك أعظم ، ولا أجحدك أني راحلة من غدى إلى بلدة قران ولابد لى من أخذ رأيك اليوم ، فتكرم على بنصف ساعة إنى أبتهل إليك ضارعة خاشعة ! لقد كان ( بافيل ) على صلابة ظاهره أرق الناس قلبا وأرحمهم فؤادا ، فلما شاهد من لوعة المرأة وغليل حرقتها ما شاهد خارت قواه وفلت عزيمته وقال : لا بأس يا سيدتي ، سأهبك من وقتى نصف ساعة واطمأنت في مقعد وشرعت تقرأ بادئة بالمنظر الأول من الفصل الأول ، وخلاصته أن خادما وخادمة ينظفان غرفة فاخرة الأثاث والرياش ويفيضان أثناء ذلك بالحديث عن سيدتهما الصغيرة ( حنة ) التي كانت تنشىء مدرسة ومستوصفا في القرية، ثم ينصرف الخادم وتشرع الخادمة في محاضرة مسهبة عن فائدة التعليم وأن العلم نور والجهل ظلمة ، ثم إن المؤلفة السيدة موراشكين ترجع الخادم إلى الغرفة وتطلق لسانه بمحاضرة مستفيضة عن سيده الجنرال واستهجانه لآراء ابنته وعزمه على تزويجها لرجل غنى جاهل وزعمه أن الجهل نور والعلم ظلمة . وأن صلاح الناس في الجهل المطبق وفسادهم في العلم والعرفان ثم يغادر الخادمان المسرح وتظهر السيدة الصغيرة نفسها ، فتخبر المتفرجين أنها قضت الليلة السالفة سهادا لم تذق حلاوة النوم من ذكرى حبيبها فالنتين الذي يشتغل عريفا عند أبيه ( أبوه فقى كتاب ) ، والذي على شدة فقره وفاقته قد ضرب في العلوم بأرجح سهم وأوفر نصيب ، وفاز في الفنون بالقدح المعلى ، ولكنه مع ذلك لا يؤمن بوجود الصداقة ولا الحب على ظهر هذا العالم الأرضى ८ ويعتقد أن الحياة خلو من الخير مفعمة بالشر ، ومن أجل ذلك أصبح يمقت الحياة ويشتهى الموت ، ولذلك قد عزمت السيدة على إنقاذه . أصغى المسكين ( بافيل » إلى كل هذا وجعل يتلهف على رقدة في سريره ، وجعل يتفرس في وجه المرأة والغيظ يأكل قلبه والحقد في أحشائه يحتدم ويتضرم . السوء ) وهو لا يعى شيئا ولا يفهم شيئا ! وجعل يقول في نفسه : لقد أرسلك الشيطان إلى في ساعة نحس كأني بحاجة إليك ، أنت ألفت الرواية ، وأنا ما ذنبي وماذا جنيت ؟ رحماك اللهم ! أوقد حكمت على أن أسمع كل ما في هذا الملف من سخافة ، الله ما أسمن هذا الملف وما أضخمه ! . ويا ويلي ويا حسرتي ! للأسنان وقال في نفسه : عسى أن لا أكون فقدت عينة الحرير ، أين وضعتها ؟ أظنها في جيب الرداء الأزرق ، يا ويلتى ! إن المرأة دائبة في القراءة دءوب الرحي أو دءوب الأيام في عمر الإنسان ، لقد بلغت المنظر الثاني عشر ، فلعلنا قد قاربنا ختام الفصل الأول ، قبحها الله ما أضخم بدنها ! أتحسب الحمقاء أن الذكاء مما يتفق . مع هذا السمن المفرط وأن العبقرية تستطيع أن تحل في هذا الجبل من اللحم وفي مثل حرارة ذلك الشحم المتراكم ؟ وأولى لها من تأليف الروايات والله أن تشرب الخل البارد وتنام في بدرون ! ) وقالت السيدة بغتة : - ألا ترى أن هذا المونولوج أطول مما ينبغى ؟ . لم يسمع ( بافيل ، المونولوج ولكنه قال : - لا . لا . إنه بديع جدا فتهلل وجه السيدة سرورا واستمرت تتلو ما يأتي : حنة : لقد أضناك وأكل جسدك كثرة التفكير ، إنك تعيش في الدماغ لا في القلب ، إنك جعلت كل عقيدتك وإيمانك في الذهن ، وكفرت بالعواطف