ليصبح بعد ذلك مفهوماً مركزياً استناداً إليه يفهم النص وتنجز قراءاته. وأصبح"التحليل المحايث هو كلمة السر التي يتداولها البنيويون كبضاعة مهربة تشفي من كل الأدواء. والمحايثة بهذا المعنى هي عزل النص والتخلص من كل السياقات المحيطة به. فالمعنى ينتجه نص مستقل بذاته ويمتلك دلالاته في انفصال عن أي شيء آخر. فإن المحايثة لها أصول أخرى غير ما أثبتته البنيوية في تفاصيل تحاليلها. فالمحايثة هي ما هو معطى بشكل سابق على الفعل الإنساني وتمفصلاته، كما يشير إلى ذلك لالاند في قاموسه مرتبطة بنشاطين نشاط يحيل على كل ما هو موجود بشكل ثابت وقار عند كائن ما والأمر يتعلق برؤية ستاتيكية)، وفي الحالتين معاً نحن أمام مضامين سابقة في الوجود على الإنسان ومعطاة مع الطبيعة ذاتها. خاصة تحت تأثير "بالمسليف" الذي كان يقول بضرورة دراسة اللسان دراسة محايثة بعيدا عن كل العناصر الخارجية سباقة إلى الاستفادة من المردودية المعرفية والتحليلية لهذا المبدأ في تحديد مستويات الدلالة وأنماط تشكلها. فاستناداً إلى روح هذا المفهوم تبلورت الفكرة القائلة بأن الدلالة لا تكترث للمادة الحاملة لها، ولا دور لهذه المادة في ظهورها وانتشارها واستهلاكها. وعلى هذا الأساس كان الحديث عن المحايثة والتجلي باعتبارهما يغطيان نمطين للوجود في حياة الدلالة وتجليها عبر الوسيط السردي : المادة المضمونية العديمة الشكل، وهي المادة التي يستند إليها المبدع بدئياً من أجل إنتاج نصوص مخصوصة. وهي ما يخبر عن التلوين الثقافي الخاص بتوزيع المادة المضمونية. على أن المادة المحايثة في هذا المجال لا علاقة لها بمضامين إلهية أو غيرها. إن الأمر يتعلق بالنماذج السلوكية التي تفرزها الممارسة وتضعها أساساً لكل تواصل. فمن نافلة القول إننا نتواصل من خلال النماذج لا من خلال النسخ المتحققة. والحاصل أن المادة التي نتحدث عنها هي وليدة ممارسة سابقة تمكن السلوك المفرد من التحقق المعقول وتغتني في ذات الوقت من خلال كل تحقق.