قبل أن نشرع في بناء بيت يضع المهندس له رسماً، وقبل أن يضع هذا الرسم كانت في ذهنه صورة كاملة للبيت يستملي منها صورته التي يرسمها. وكذلك الشأن في واضع الرواية، قبل أن يخرجها إلى الوجود،وكل إنسان يجب أن تكون عنده صورة كاملة لما يود أن تكون عليه حياته المستقبلية. وكثيراً ما يسأل الإنسان نفسه ماذا أكون ؟ فالصورة التي في ذهننا، تسمى في عرف الكتاب الحديثين "المثل الأعلى". فإنا نرى الحيوانات تعيش على نمط واحد، فمعيشة القط قديماً هي معيشة اليوم، وكان النحل يبني خلاياه على أشكال مسدسة كما يبنيها الآن، لأن أمامه " مثلاً أعلى " يجد في الوصول إليه وكلما قرب منه سبقه المثل.ويجب أن يكون لكل إنسان "مثل أعلى" يسعى لتحقيقه، ويوجه أعماله للوصول إليه، ذلك لأن الإنسان في هذه الحياة كقائد السفينة في البحر المتلاطم الأمواج، لا يمكن أن يصل إلى المرفأ، ويرسم خطة للوصول إليه، وإلا تنكب وكانت سفينته عرضة للارتطام. وكذلك يحيط بالإنسان قوة مختلفة: شهوات تتجاذبه،وللمثل الأعلى تأثير في النفوس، فهو دائم الشخوص أمام نظر الإنسان، تدل على مثله الأعلى ما هو؟وكل المؤثرات في الأخلاق من بيئة و منزل وتعليم، إنما تصلح الإنسان بواسطة إصلاح المثل الأعلى، أما المؤثر الوحيد مباشرة فهو ذلك المثل .اختلاف المثل الأعلىتختلف المثل العليا عند الناس اختلافاً يكاد يكون بعدد رؤوسهم، فهذا مثله الأعلى رجل غني متمتع بكل ملذات الحياة، وذلك مثله إنسان كامل العقل قد تفوق في العلوم وتضلع من المعارف، وآخر مثله وطني يدافع عن حقوق وطنه ويرفع مستوى أمته. كذلك يختلف سذاجة وتركباً، فقد يكون مثل شخص صورة ساذجة رسمها مما يسمعه من والديه، والأمة الواحدة تختلف مثلها كلما تدرجت في معارج الرقي، وليست الصعوبة أن يجد الإنسان أو الأمة مثلاً أعلى، فالمثل كثيرة لا عداد لها.وليس في وسع الأخلاقي ولا الفيلسوف أن يرسم مثلاً أعلى دقيقاً يوافق كل إنسان وكل أمة، اللهم إلا إذا رسم الأخلاقي أو الفيلسوف صورة عامة، اقتصر في رسمها على ما يوافق سواد الناس،كل الذي نستطيع أن نقوله : إنه ينبغي أن يكون المثل الأعلى للشخص صورة كاملة، تمثل خير إنسان يستطيع الشخص أن يكونه في كل شأن من شؤون حياته، ففي عمله أن يكون أحسن ما يستطيع من جد وأمانة وإتقان ومهارة، وفي معاملته للناس مثله أن يعاملهم كما يجب أن يُعامل، وأن يحب الخير لهم كما يحبه لنفسه. والدين الذي يتدين به وما يحويه من نظام وما يرسمه من شكل الحياة الأخرى، ذلك له أكبر الأثر في تكوين المثل الأعلى. لها أثر كبير في انتخاب الصور التي تتخذ مثلاً، وسبب ذلك أن المثل يتكون مع الإنسان في نشأته، فلم يكن شيئاً جديداً منفصلاً عنه حتى يشعر به ويعرف متى أتاه ومن أين جاءه. وإن في طبيعة الناشئين في أول حياتهم ميلاً إلى سماع قصص الأبطال، وكبار الأعمال وعجائب الحوادث، وذلك - ولا شك - مما يساعد على تنمية المثل عندهم، وباتساع نظر الإنسان في الحياة وكبر عقله يكمل المثل وتتم أجزاؤه.فالعمال الذين يقضون حياتهم في عمل يدوي محدود ثم لا يصادفون بعد قضاء نهارهم ما يفيد عقلهم أو يوسع نظرهم يضيق مثلهم؛ فالمثل هو الذي يبعث في الإنسان روح العمل، وهو الذي يصحح حكمه على الأشياء، فالإنسان عادة عند الحكم على شيء أو نقده يقيسه بمثله ثم يحكم عليه بالخطأ أو الصواب و بالخير أو الشر،