وهي: أن الشريعة الإسلامية لها روح مستلهم من مقاصد وكليات كبرى، إذ المقاصد تعبر عن هدف الشريعة، فإن ترتب على أي حكم ما يخالف هذه المقاصد فلا يمكن أن يأتي الإشكال في طبيعة هذه المقاصد التي يتحدث عنها، وفي كيفية التعرف إليها، فمقاصد الشريعة تعرف من خلال تصريح الشارع بأن تقرر الشريعة على أن هذا الأمر فمن مقاصد الشريعة تعبيد الخلق للخالق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات : ٥٦]. كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء : ٢٩]. أو تعرف من خلال استقراء الفروع الشرعية المتنوعة في كتاب الله وسنة رسوله ، والتي تمكننا من إدراك وجه الحكمة في تشريعها فتفضي بنا إلى إدراك مقاصد الشريعة ومتى تتبعنا هذه النصوص وتلك الفروع أمكننا العلم بأن من مقاصد الشريعة حفظ النفس مثلاً، ومنع أي تعد أو ضرر عليهم، وأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، وهكذا. فهذه المقاصد هي في الحقيقة خلاصة نظر في الأحكام الشرعية التفصيلية، لأن المقاصد إنما تعرف أصلا من خلال تتبع هذه الأحكام الشرعية التفصيلية، فإذا اتخذت من المقاصد ذريعة لرد الجزئيات فأنت في الحقيقة تقع في مشكلة منهجية واضحة، وهي أنك عمدت إلى وضع مقاصد جديدة، ثم حاكمت إليها نصوص الشريعة، هذه وصف الشرعية إذ فيه تقصيد للشارع، وكذبت عليه بعد ذلك بعدد ما سيتناسل من هذا المقصد المكذوب من فروع توهم نسبتها إلى الشريعة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢١]. فعلم مقاصد الشريعة علم كاشف يكشف عن مقاصد الشريعة بالنظر إلى الشريعة ذاتها وما حددته من المقاصد نصاً، وهو مقام علمي رفيع يجب أن يتحلى صاحبه بالعلم الوافر، وقد كان الشاطبي مدركاً خطر هذا التوظيف المنحرف للمقاصد، لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد؛ حتى يكون ريان من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها و معقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وليس لأنه خالف المقصد الشرعي فعلاً؛ وبه يتضح حجم الجناية حين يأتي أحدهم مثلاً إلى قسمة الميراث الذي قال الله فيه: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ [النساء: ١١] ويقول: هذا مخالف لمقصد الشريعة في المساواة أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من البراءة من الكفار والنهي عن توليهم فيقول: هذا مناف لمقصد الشريعة من الانفتاح على الآخر ! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من النهي عن الربا فيقول: هذا مناف لمقصد الشريعة في التيسير وتحريك الأموال فيجهز على الفروع الفقهية بسيف المقاصد، وهي في الحقيقة ليست مقاصد للشريعة، على الشريعة. وحتى تتأكد من حجم عبثية كثير من الخطابات المتعلقة بذيول المقاصدية وما يسمونه روح الشريعة، فإن كثيراً من المصطلحات التي يسوقونها في هذا الباب لم تحرر تحريراً علمياً، بل هي مجرد مصطلحات عائمة وفضفاضة وغير واضحة، فإذا ومصادم لمقاصد الإسلام، فإذا طلبت منه أن يشرح ما المقصد الشرعي هنا ؟ وما روح الشريعة ؟ جاء بكلام فضفاض عام، والتعامل مع الأحكام الشرعية لا يكون بهذه الطريقة الفوضوية العبثية، الأمر الأول: تحديد المقصد الشرعي بصورة واضحة بينة. الأمر الثاني: بيان وجه المخالفة والتناقض بين الفرع الجزئي والمقصد الكلي. الأمر الثالث: بيان سبب ترجيح المقصد، الأمر الرابع: بيان كيفية التعامل مع الفرع. وهذه الضوابط لا تكاد تجدها عند من يتحدث بأننا نريد التمسك بالمقاصد وروح الشريعة؛ لأنها لا تنطلق من طريقة موضوعية، بل من رؤية تتعامل مع كثير من المقررات الفقهية باعتبارها عبئاً يحتاج إلى التخلص منه وتجاوزه. إن وجود ما يظهر للناظر تعارضاً بين أدلة الأحكام الشرعية أمر واقع وسائغ، وهو ما ينكشف بمراجعة أبحاث الفقهاء، تتفاوت فيها أذهان الفقهاء في كيفية الترجيح، بمنهجية منضبطة ونظر دقيق، وهذه الحال العلمية الموضوعية كما ترى تختلف عن تلك العبثية التي تتساقط فيها كل الشروط الموضوعية ومناهج النظر والبحث، فيأتي أحدهم مثلاً إلى حديث صحيح عن النبي ﷺ يقول فيه : من بدل دينه فاقتلوه (۱) مع أ أدلة أخرى تمنع من وجود حرية الردة عن الإسلام، فيضع أولاً مقصداً من عنده يفسره بناءً على رأيه الخاص ليرد به حديثاً صحيحاً عن النبي ، ثم لا تجد هذا المقصد مفسراً بشكل واضح، منها: عدم الخروج عن الدين إلى غيره جهاراً، وإنما يبادر برد الحديث مباشرة، ثم لا يقدم أدلة صحيحة سالمة تثبت هذا المعنى الذي ذهب إليه، فالخلل هنا إذا ليس في توهم وجود تعارض في عين الناظر بين بعض أحكام الشريعة، فيبدو له أن حكماً يعارض حكماً آخر، أو أن حكماً يعارض قاعدة أقوى منه، فيجتهد في دفع ذلك وفق اجتهاد شرعي معتبر؛ وإنما حقيقة الأمر هدم أحكام وفروع ونصوص من خلال ضربها بالمقاصد بلا منهج موضوعي. ومما ينبغي التأكيد عليه أيضاً في هذا الشأن أن الفروع هي في الحقيقة مسرد شارح للتفاصيل الداخلية للمقاصد، إذ المقاصد قضايا كلية عامة، وكثيراً ما يقع الاتفاق بين الناس على اعتبار عدد من الكليات، لكنهم مع اتفاقهم عليها يختلفون كثيراً في سبل تحقيقها، وما يدخل فيها وما يخرج؛ وهو كذلك في نظر الشريعة، لكن حالة التوافق على هذا الشأن الكلي لا تعني إذ لكل مجتمع وثقافة ومذهب فروعه التفصيلية التي يحدد من خلالها حقائق العدل التفصيلية، فالليبرالية مثلاً ترى أن العدل إنما يتحقق في فتح الحرية للناس جميعاً دون تدخل للسلطات في منع أحد بسبب ضرر ديني، أما المسلم فالعدل عنده يكون في منع ما يلحق بالناس ضرراً بالدين، وهكذا ترى أن مقصد العدل يتأثر في تفاصيله بالمرجعية الحاكمة التي يعتمدها كل طرف، فإذا جاء أحد ورد حكماً شرعياً بدعوى أنه مخالف لمقصد العدل فهو في الحقيقة لا يعتمد العدل على وفق الشريعة، بل يأتي بالعدل متأثراً بثقافة أخرى ويريد محاكمة الشريعة إليها. إذ المقصد هو الذي يجب الاستمساك به، أما الوسائل فلا يصح أن تكون مقصودة لذاتها، فيتشدد في التمسك بها، بل يتمسك بها ما دامت محققة للمقاصد، فإذا كان هناك سبيل لتحقيق المقاصد هنا دونها، وهذه الإشكالية كما ترى هي فرع عن مشكلة منهج استخراج المقاصد الشرعية عند صاحب هذه المقولة وكيفية الاطلاع عليها ومعرفتها، فإذا ما انضاف إليها وهم أن مقاصد الشريعة محصورة في تحقيق المصالح الدنيوية فقط، تعاظمت المشكلة وصار من الطبيعي أن تتراجع قيمة المأمورات الشرعية والمنهيات التفصيلية في حس هذا الواهم. إن دعوى إمكانية استبدال أحكام الشريعة التفصيلية بأحكام أخر تحقق عين مقاصدها، تتضمن جرعة عالية من الغرور المعرفي بادعاء معرفة تفاصيل المقصد الشرعي لتلك الأحكام وحدودها، ثم ادعاء أن ثم وسائل أخر تحقق عين المقصد الذي قصدته الشريعة بتلك التشريعات، وأن هذه الوسائل يمكن الاستغناء بها عن الوسائل التي قررتها الشريعة. وهب أننا تنزلنا وقلنا : هذه التشريعات التفصيلية في مختلف أبواب الشريعة مجرد وسائل لغايات، وادعاء أنه بالإمكان إحداث وسائل أخرى تحقق عين تلك الغايات من غير زيادة أو نقص دعوى تحتاج إلى البرهنة والإثبات. وإذا تأملت في ممارسات هؤلاء في استحداث الوسائل ستلحظ أن ما اقترحوه من الوسائل البديلة لا يسلم من الاعتراض والنقد، فحين يتحدث أحدهم مثلاً عن أن قطع يد السارق شعيرة شرعت للردع عن السرقة ويمكن أن تستبدل بما يحقق الردع كالسجن، فهذا المثل لا يخلو من إخلال عظيم في معرفة تفاصيل ما يتعلق بمقصد (الردع) وحدوده،