ما أشبه المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي، يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافا قاصرين، وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد المختصة ما بين الإنسان وربه، وإنما يتلهى بها المتهوسون للعمل حتى إذا ضاع فيها عمرهم، على أنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبد وسيلة لاستخدامه في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم ويسد أفواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد؛ يشتريهم المستبد بقليل من المال والإعزاز ولا يخاف من الماديين لأن أكثرهم مبتلون بإيثار النفس، والخلاصة أن المستبد يخاف من هؤلاء العلماء العاملين الراشدين المرشدين، كما يبغض المستبد العلم لنتائجه يبغضه أيضا لذاته لأن للعلم سلطانا أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علما. فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق. وعليها مبنى ثنائهم على كل من يكون مسكينا خاملا لا يُرجى لخيرٍ ولا لشر. وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا. يعتبرونه رحيما؛ فيطيعونه حذر التوبيخ؛ والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، وأصبح الناس لا ينقادون طبعا لغير منافعهم كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بد للمستبد من الاعتزال أو الاعتدال. بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قط أمامه من يسترشده فيما يجهل لأن الواقف بين يديه مهما كان عاقلا متينا، لا بد أن يهابه فيضطرب باله فيتشوش فكره ويختل رأيه لا يهتدي إلى الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبد، والقول الحق أن الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ وكفى بذلك انتقاما منه على استعباده الناس وقد خلقهم ربهم أحرارا. وخوفهم عن وهم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه، وأكثر ما تختم حياة المستبد بالجنون التام. قلت التام لأن المستبد لا يخلو من الحمق قط لنفوره من البحث عن الحقائق، يرتكبون كل جريمة وفظيعة لحساب المستبد الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين يجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرح. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنوشروان وعمر الفاروق، فعملت هيكلا مخصصا للخوف يُعبد اتقاءً لشره. قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأن المستبد امرؤ عاجز مثلهم زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم. ويقول أهل النظر إن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في شنآن الملوك وفخامة القصور وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات وعلائم الأبهة ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضا عن العقل والمفاداة، فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء النبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء. وكفى شاهدا أن أول كلمة أُنزلت من القرآن هي الأمر بالقراءة أمرا مكررا، وقد فهم السلف الأول من مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلم القراءة والكتابة على كل مسلم، أجل، والرحمة وما هي لذاتها. أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم كأنَّ العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة (لا إله إلا الله) ولماذا كانت أفضل الذكر ولماذا بني عليها الإسلام. تحذرا من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. كلا لا يلائم ذلك غرضهم وربما عدوا كلمة (لا إله إلا الله) شتما لهم! ولهذا كان المستبدون ولا زالوا من أنصار الشرك وأعداء العلم. النص الأصلي