لم يكن ليدور بخلد أي منا أن تلك الرزمة المربعة التي تلقاها حسان الصغير، إلا أننا لم نكن لنصدق بأن العصفور سيكون حقيقياً. فماذا يمكن أن يفعل طفل صغير بعصفور حقيقي؟ تمزقت الورقة الملونة ورمى حسان بنفسه فوق القفص وضمه بإحكام بين ذراعيه وصدره ثم هتف بصوت مستثار: أن نرى القفص والحسون بوضوح، ذلك أن حسّان كان مستثاراً وكان خداه قد توردا وأخذت عيناه تلتمعان فيما كان يدور في أرجاء الغرفة دون أن يعرف ماذا يتعين بعد لحظات، كان القفص الخشبي الصغير دون طلاء، وكان سقف القفص قد جعل كالهرم وبدت أسياخ الحديد جديدة ومتقنة النصب. فيه الشيء الكثير من البطولة. بسبب البقع الحمراء والسوداء التي نقشت رأسه، بجسمه - ممن؟ وأخذ حسّان يحدق مهموماً إلى الحسون محاولاً أن يكشف بنفسه سبب خوف الطائر المذعور منه، إذن، ولكن حسّان لم يكن قد ارتوى، من الأجوبة: - ولكنه كان في القفص قبل أن يأتي إلى هنا. إن ذلك يتضح من سرعة حركاته. وعدنا نتطلع إلى الحسون الصغير وهو يرتد من جدار حديد إلى جدار حديد آخر. وطوال ذلك الوقت يدأب على دراسته والتعرف إليه محاولاً، في الوقت ذاته، جديد إلى الطائر الرمادي المخضب باحمرار دموي: - وفي الليل. هل سينام مثلنا؟ وكان أخي يعرف بأن أسئلة حسّان لن تنتهي، وكنت أعرف، وكان قد استدعى عدداً من رفاقه لمشاهدة الطائر الذي يتوقف لحظة عن الطيران من أجل أن يشمّ أسياخ القفص ويتعرف إلى منافذه وأركانه. وكما يفعل كل طفل، وأكثر من مرة انتهز الفرصة ليعبر عن تلك الشكوك لي، وفي مرة سألني: - طيّب، لو فتحت باب القفص بعد ثلاثة أشهر وتركت الحسون يطير فهل يعود إلى القفص؟ فأنا لا أعلم شيئاً عن حيوات الطيور وعاداتها ووعدت حسّان أن أسأل أخاه الأكبر وأنقل الجواب إليه، فمن العبث أن نمضي بالقصة إلى أبعد مما ترتسم في رأسه الصغير، فليفهم الأمر كما يشاء فذلك أدعى لارتياحه وارتياحنا. مليون عصفور من القماش والبلاستيك أضحت الآن أقل من أن تعوض ذلك الحسون اللعين. ماذا سماه؟ - حسّون. وفي اليوم التالي قال لي حسّان أنه يريد نقوداً ليشتري قفصاً أكبر للحسّون. وكنت - من ناحيتي - أشعر بأن القفص الحالي أصغر من أن يتسع لطيرانه الغضوب الدائب، على الرغم من أنه أعطى الحسّون وكانت سعادته أكبر حين قلت له بأن عليه نقل العصفور بنفسه من القفص القديم إلى الجديد، - وإذا عضني؟ ارخ راحتيك. - تكون قد أرخيت راحتيك كثيراً. ونظر إليّ دون أن يفهم، وطوال الأيام التالية تحدث عن ذلك كثيراً، ونحن على طاولة الغداء، كان له رأي آخر قاله دون أن يرفع رأسه عن الطعام. خصوصاً وأن القفص الجديد كبير جداً. ومن طرف عينيّ شاهدت حسّان ينظر حواليه بأسى، من يدري فقط يروقه البيت الجديد فيتعرف أليه بأسرع مما وقبل أن يتم ما كان يريد قوله تلاقت أبصارنا، وكان حسّان ينظر إلي دون أن يفهم، ومضى بفكرته إلى مداها: - إن حسونك خبير بالبيوت! لقد عاش شهرين في قفص من الخيزران عند عمّك، قبل أن يجتازني، أوقفته وأمسكت به من ذراعيه فطأطأ رأسه ملصقاً ذقنه بصدره ورغم ذلك فقد وقبل أن ينفجر قربت فمي من إذنه وسألته هامساً: ولكنه لم يكن ليستطيع أن يتكلم، بعد، وقد كنت أتوقع بالضبط كل الذي سيحدث: وقف حسّان جذلاً وقد احمر وجهه ثم أنشأ ينظر إليّ بعينيه الواسعتين، فابتسمت فيما امتلأ وجهه بضحكة نادرة. وكالسهم انطلق إلى غرفة الطعام وسمعت صراخه يختلط بخفقات خطواته الصغيرة ويرتد صداه على جدران الممر: - لقد وقف.