طلب والدي إضافتي مهارة جديدة: التعامل مع البحر والمشاركة في رحلات الغوص. كنت أعرف البحر من خلال السباحة في مياهه الضحلة، رائحته القوية المنعشة كرائحة العشب بعد المطر، وصوته الجميل الهادئ أو الهادر، ممزوجاً بأصوات النوارس عند سحب شباك الصيد. لم أكن أعرف أن البحر أكثر من ذكريات طفولة، بل هو أفرح وأتراح، وآمال وآلام وقصص عاشها أهل دبي. أرسلني والدي لأبو جابر، "السردال" كبير بحارة دبي، لتعلم أسرار البحر ومواسمه. يحدد السردال بداية موسم الغوص بناءً على حركة الأمواج ومواقع النجوم، ويرسم خريطة لقاع البحر بتتبع ما يعلق بكتلة الرصاص المستخدمة لقياس عمق المياه. يغوص أهل دبي في الصيف بحثاً عن المحار، لكن الحرارة الشديدة على سطح الماء تسبب الجفاف للكثيرين. يوجد أيضاً "الغوص البارد" في الشتاء، وهو أصعب بسبب برودة المياه و عدم استقرار البحر. تعلمت من رحلاتي مع أبو جابر صعوبة الحياة في البحر، والتحديات التي واجهها أهل دبي في طلب الرزق. رأيتُ عملاً دائماً، وروح تعاون، وفرحاً كبيراً بحصيلة الغوص، ومساءات جميلة وحكايات ممتعة. لكنّها رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث وقعت العديد من الحوادث والوفيات، وكانت عودة الرحلات حدثاً اجتماعياً كبيراً يستقبله الأطفال والنساء بفرح كبير. أدركت أن البحر مشاعر جياشة وقصص إنسانية، ودعوت الله أن يعيني على خدمة هؤلاء الناس يوماً ما.