لندع الآن جانبا وصف ما كان من الخلاف بين علماء النفس في الألم والفرق بينه وبين اللذة، كذلك بحوثهم الطويلة في تقسيم الألم إلى أنواع: فنوع منه كالذي نشعر به عند وجع الأسنان، كالذي نشعر به عند الفشل في محاولة، ونوع كالذي نشعر به عند مواجهة ما نكره، هذه النظرية من نزاع لندع هذا كله، ولننظر إلى أثر اللذة في الحياة العامة، مدينون للألم بأكثر مما نحن مدينون للذة، فتعال معي نبحث في عالم الأدب: أليس أكثره وخيره وليد الألم؟ أوليس الغزل الرقيق نتيجة لألم الهجر أو تتخلله لحظات قصيرة من وصال لذيذ، الوصال اللذيذ بمنتج أدبا كالذي ينتجه ألم الفراق. واسعفه الحبيب دائما ومتعه بما يرغب دائما، فضل المجنون لأن نفسه كانت أشد حسا، ولو نشأ قانعا لما فارق بلدته، يروي الشعر وما قيمة المعري لولا ألمه من الفقر والعمى؟ لو كان غنيا بصيرا لما رأيت لزومياته، وخمر أبي نواس وفخر أبي فراس ومحون الماجنين، غنى ابن المعتز ولذته ينبوعا صافيا لحسن التشبيهات وجمال الاستعارات وخلفت لذة هؤلاء أدبا ضاحكا، وأيهما أكرم شعورا؟ أي النفسين :خير أمن يبكي من رؤية البائسين، الداء"؟ أوليس قد هام بها فرارا من ألم الدنيا ومتاعب الحياة؟ ولو فتشت عن دخيلة ابن المعتز، من علامة تماثل المريض للشفاء أن يحس بالألم بعد الغيبوبة؟ ثم من هو المصلح: أليس أكثر قومه ألما مما هم دعته رؤية ما لم يروا وإحساسه ما لم يحسوا، ومن نعم الله أن أوجد أنواعا من الألم هي آلام لذيذة تتطلبها النفوس الراقية وتتعشقها. عليها أن تعوض عنها لذائذ صرفة لما قبلتها،