قبل الخوض في مسألة العقل ومقرّه، هي الأساس الذي يُبنى عليه كل فهمٍ صحيح، وكل نظرٍ سليم: أنَّ ٱللَّٰه جلّ في علاه هو أعلم بخلقه من أنفسهم، العليم بدقائق النفوس وخفايا القلوب، فقد قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [ الملك: 14]. وليس بعد ٱللَّٰه تعالى أحدٌ أحقّ بأن نرجع إلى قوله، أكثر من نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، فلذلك إن أخبرنا النبي ﷺ عن موضع العقل، أو نَبّه إلى أن القلب هو محلّ الفهم والإدراك، فإننا نُسلم لذلك تسليم المؤمن، ونعلم أن في كلامه حكمةً من رب العالمين، وقد ردّ ٱللَّٰه ﷻ على من ظنّ في نفسه علمًا يُجاري علم ٱللَّٰه فقال تعالى: ﴿ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ ﴾ [البقرة: من الآية 140]. فإن العلوم والنظريات والبحوث المعاصرة، بل تُقبَل وتُدرَس ويستفاد منها، ورفع به قدر الإنسان. من ذلك قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طـه:114]، وقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9]، وقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، فالميزان ليس في رفض العلم، فإن خالف صريحُهُ نصَّ كلام ٱللَّٰه أو حديثًا صحيحًا من كلام نبيه، وأصدق قيلاً وأهدى سبيلًا. - فلنبدأ حديثنا متوكّلين على ٱللَّٰه ﷻ، وينسى الأسماء والوجوه والمواقف، بينما تظل قدرته على التفكير والحكم والتأمل قائمة؟ فأيّ شيءٍ هذا الذي بقي بعد أن تعطّلت الذاكرة؟ وإن بدا محيّرًا في ظاهر الأمر، فإذا كانت الذاكرة مختزنة في الدماغ، والإجابة عنه لا تستند فقط إلى الأبحاث الطبية الحديثة، وربط بين ما نراه اليوم من حقائق علمية، وبين إشارات قرآنية منذ قرون دلت على أن للعقل مقرًا آخر… ألا وهو "القلب". ليس القلب العضلة فحسب، بل هو السر الكامن في أعماق الإنسان، وتتجلّى الحكمة في سكون القلب الذي في اعماقه يوجد العقل. هو قوة إدراك باطني تسكن في القلب، وأداة إدراك وفهم رفيعة هو ليس مادة تُرى، بل هو لطيفة روحانية مودعة في باطن النفس، وتُفرّق بين الحق والباطل، بل هو مرآة مصقولة تعكس أنوار المعرفة إذا أشرق عليها النور الإلهي، وهو باب من أبواب الحكمة لا يُفتح إلا لمن طهّر باطنه، وهداه ٱللَّٰه ﷻ إلى صراط مستقيم. فمن قال إن العقل من صنع المادة، فقد أبعد وجهل المبدأ والمنتهى، لأن العقل وحده يحتاج إلى نورٍ أعلى يهديه، كما أن العين تحتاج إلى النور لترى، يُكرم بها من يشاء من عباده، ليكونوا شهداء على الحق، القلب: ما بين عضلةٍ عضوية ومركزٍ عصبي لقد استقر في أذهان الناس قديمًا أن العقل محصور في الدماغ، فقد أثبتت الدراسات أن القلب يحتوي على ما يزيد عن أربعين ألف خلية عصبية مستقلة، ومركز ماهر في استقبال ومعالجة المعلومات. والنظام العصبي للقلب وبالأحرى كما يطلق عليه "دماغ القلب" يتيح له التعلم، واتخاذ قرارات وظيفية مستقلة عن الشبكة العصبية للدماغ. وكشفت الدراسات أن الإشارات التي يبثها القلب باستمرار إلى الدماغ تؤثر على عمل مراكز الدماغ العليا القائمة بعمليات الإدراك، ويعادل 60 مرة المجال الكهرومغناطيسي الذي ينتجه الدماغ. و المكون المغناطيسي للقلب أقوى خمسة آلاف مرة من المكون المغناطيسي للدماغ، و يمكن رصده من مسافة بضعة أقدام عن الجسد بواسطة أجهزة القياس المغناطيسي. فإنَّ أنظمة الجسد المختلفة تدخل في حالة من التوافق الحيوي عندما ينبض القلب بإيقاع متناغم. والمثير في نتائج الأبحاث أن المعلومات المرتبطة بالحالة العاطفية للشخص تنتقل فعليًا عبر المجال الكهرومغناطيسي للقلب، ما يجعل القلب ليس فقط عضوًا بيولوجيًا، وقد تبيّن أن إيقاع نبض القلب يتبدّل بشكل واضح حسب نوع المشاعر التي يمر بها الإنسان؛ فالمشاعر السلبية كالقلق والغضب و الحزن، بل تُحدث تعديلات دقيقة في المجال الكهرومغناطيسي المحيط به، وهو ما يمكن قياسه بوسائل التحليل الطيفي المتقدمة. وهذا المجال المغناطيسي لا ينقل فقط حالة القلب الجسدية، بل أيضًا ينقل إشارات دقيقة عن المشاعر التي يشعر بها الإنسان، مما يُعزز وعيه بالآخرين وشعوره باتصال أعمق معهم. ولا على تعابير الوجه أو الإيماءات، الذي يحمل إشارات عاطفية واجتماعية تُسهم في مشاعر الانجذاب أو النفور بين الناس، وتلعب دورًا محوريًا في بناء العلاقات والتفاعلات الاجتماعية. فيتبَيّن لنا هنا الجهاز العصبي البشري يعمل كهوائي حساس، يلتقط الإشارات الكهرومغناطيسية الصادرة عن قلوب الآخرين، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم طبيعة التفاعل البشري العاطفي والاجتماعي. العقل والقلب والدماغ في ضوءِ القرآن: مقاربة بيانية ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46]. • فقد صرح ٱللَّٰه ﷻ في آية الحج هذه بأن: القلوب هي التي يعقل بها، ثم أكد ذلك تأكيداً فقال ﷻ: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. فالقلوب هي التي تُصاب بالعمى إذا سلب ٱللَّٰه منها نور العقل، فلا تعود قادرة على التمييز بين الحق والباطل، ولا بين ما ينفعها وما يضرها. وفي ذلك دلالة واضحة على أن العقل هو الأداة التي يُفرّق بها الإنسان بين الأمور، وأن موضعه ليس في الدماغ فحسب، يجعله تأكيداً واضحاً وصريحاً أنَّ مركز العقل في القلب، فقد خصّه ٱللَّٰه ﷻ بوصفٍ بيّنٍ لا مجال فيه للتأويل. وفي موضع آخر قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]. • فعابهم ٱللَّٰه ﷻ بأنهم لا يفقهون بقلوبهم ولم يقل لا يعلمون؛ فالفقه هو فهمٌ دقيق وإدراكٌ عميق للأمور، فهو معرفة الشيء على ما هو عليه، فإذا تعلّق الإدراك بما هو أعمق وأدق سُمي فقهًا. فإن الفقه هو علمٌ مضاف إليه بُعد الفهم والتبصّر. ولذلك قال ٱللَّٰه تعالى: “ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا ” أي أن وظيفة الفقه ليست منوطة بالدماغ وحده، فهذان النصّان العظيمان يحددان بدقّة موضع العقل الذي مقره القلب. وليس ذلك مجرد تعبير بلاغي، بل بيان عن الحقيقة التكوينية للإنسان. القلب ليس مجرّد مركز للإدراك والفهم العقلي فحسب، ومرآة ما تختزنه النفس من يقين واضطراب. لا يُنظر إلى القلب على أنه عضلة تنبض فحسب، بل كيانٌ وجوديّ ينبض بالمعنى، ويعبّرعن الحالة الباطنية للإنسان في علاقتها مع الخالق والكون والذات. وكل تلك الحالات لا يمكن نسبها إلى عضلة فيزيائية باردة، فالقلب في جوهره ليس أداة ضخّ فحسب، ومقياس نوره وظلمته، والخشوع، وحتى العمى والبصيرة إلى القلب لا إلى الدماغ، ومفتاح القلب • عندما يذكر ٱللَّٰه تعالى في القرآن "شرح الصدر"، بل هو إشارة مباشرة إلى تهيئةٍ باطنية لموضع القلب، ومحلّاً لليقين، فالصدر هو"الموضع الظاهري"، أما القلب فهو الجوهر المكنون بداخله. وتُسند إليه خاصيّات لا تنتمي إلى مضخّة عضلية وحسب، فبعد أن ذكر شرح الصدر، عقَّب بقوله تعالى: “ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ “. ولا “لنفوسهم”، ويظلم بالغفلة، بل هو سرٌّ إلهيٌّ في جسدٍ فانٍ ثم وصف المؤمنين سبحانه فقال: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ﴾ [ الزمر: 23] • فذكرُ ٱللَّٰه ﷻ لا يمسّ السطح فحسب، بل يتغلغل حتى يلامس أعماق الإنسان فتلين القلوب وتخشع الجلود، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] وهذا دليل صريح على أنّ مركز الوعي في الإنسان هو القلب موضع التفاعل الوجوديّ الذي يُصاغ فيه المعنى ويُبنى عليه المصير. ذاكرة القلب: بين التجارب السريرية والإشارات القرآنية • من أغرب التجارب التي أذهلت الأطباء وحيّرتهم، وهذا ما دلّ عليه القرآن الكريم، والتذكر، حيث تسكن النوايا وتنشأ الإرادات. وثبت علمياً أن زرع قلب صناعي يجعل الإنسان أقل استجابة للمشاعر، وأبعد عن الخوف وأقرب إلى الجمود العاطفي وكأنّ الحياة انسلّت من قلبه. وظائف قلبية خالصة. إنَّ القناة السمعية ليست مجرد قناة صماء، ويتسرب إلى مراكز العاطفة، ثم يطرق باب القلب فيحرك وجدانه ويبدّل حاله، قال تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [ الأعراف: 100] فربط ﷻ فقدان السمع بفساد القلب، لا الأذن! وتهدئة الأعصاب، وردّ التوازن إلى الإنسان المنهك. فتنتقل الذبذبات الصوتية من الأذن إلى الدماغ، وتبرهن عليها الأدوات الدقيقة. • فلهذا ترى المرءَ يأنس بصوتٍ رخيم فيسكن ويطمئن، ويجزع من صخبٍ قاسٍ فيضطرب ويتوتّر، حتى قالوا: "الأذن تعشق قبل العين أحيانًا". أما الأذن فتتلقّى الأصوات متحركة حيّة فإذا بها تُثير القلب سروراً أو لوعة، وهكذا يتبيّن لنا أنَّ القرآن الكريم سبق العلم بقرون. إذ نرى العلم الحديث لا يفعل إلا أن يخطو متأخراً عن أثر الوحي، متلمّساً بعضاً مِمَّا أتى على ذكره القرآن قبل قرون طويلة. وما تولّد من طمأنينةٍ وسكينة بفعل الذكر والقرآن الكريم، وأصداؤه نسغ حياة يتخلّل العروق، ويشرح ما كان ضيّقاً. أما الأغاني بما تحويه من ألحان وكلمات وترددات تؤثر في نفس الإنسان بشكل معقد فهي قد ترفع مستويات التوتر أو القلق، خاصة عند الاستماع المستمر بلا وازع أو اختيار لمحتوى يثير الانفعالات السلبية أو يسبب التشتت الذهني. ويترك أثراً طويل المدى على سلوكيات الإنسان وانفعالاته. فهي سلاح ذو حدّين قد تثير الشهوة فتستعبد صاحبها، وقد تبعث الحزن فتزيد همّه، والنفسي، والاجتماعي، فالسمع يشكل قناة للتنشئة والمعرفة، فالبيئة الصوتية المحيطة بالإنسان تلعب دوراً محورياً في صحة القلب، والآخر دار، ومن هذا المنطلق، يصبح الاستماع إلى القرآن أرقى وسيلة طبيعية لضبط نبض القلب وتهدئة النفس، وتحقيق التوازن الداخلي، بينما يمكن أن تؤدي الأغاني وكلماتها وتردداتها غير المنتقاة بعناية إلى هشاشة نفسية وفقدان للتوازن الداخلي. مابين الكذب والصدق: الناصية والقلب: وأن يصدق أو يكذب ففيها تُؤخذ القرارات وتُوزن الأفعال فإذا اختلّت هذه المنطقة بصدمة أو إدمان أو معصية، اضطربت الإرادة وتشوّهت القدرة على الاختيار، والخطيئة ثمرة كل كذب. لكن الحقائق الصادقة، والمعلومات النقية، فهي محفوظة في القلب، فالقلب بيت السرائر وموضع الإيمان واليقين فلهذا ذكره سبحانه فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: 11] فبين سبحانه أنَّ موطن الصدق والإيمان هو القلب، والقلب إن صفا أورث صدقاً وإيماناً. فليتأمل العاقل، وليزن أمره بميزان القرآن، ابْنُ أَمَتِكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، ولا تنقاد إلا لسلطانه. القلب والعلم: المفارقة التي حسمها الوحي ويستنهض الفكر من سُباته، أن القرآن لم يجعل مَناط الجهل في الدماغ، بل جعلها في القلب، فدلّ بذلك ﷻ على أن العلم ليس محضَ حذقٍ ذهني ولا عملية عصبية مجرّدة تجري في تجاويف الدماغ، بل هو نورٌ يقذفه ٱللَّٰه ﷻ في القلب، وسرٌّ يودعه في الفؤاد، إنما هو خَتمٌ إلهي على القلوب، فإن طُمست القلوب فلا تنفذ إليها العلوم الحق، وإن امتلأ الدماغ بمعارف وصُور. فإذا حادثتَهم وجدتهم كالحجر الأصمّ، وصدورٌ خاوية من النور. إذ حُرموا روح الفهم، كهيكلٍ مُشيّد لا حياة فيه. وفي المقابل، كم من علماء وباحثين شرح ٱللَّٰه صدرهم، كما قال ﷻ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191] فكان قلبُهم أهدى من دماغهم، فأمّا من كَدَّسَ الكتب، وخاض في المختبرات، وحفِظ النظريات، ثم لم يعرف خالقه، ولم يزده علمُه إلا غروراً، وإن حَسِب الناسُ أنّه من العلماء فالأحرى بالعالِم أن يَعلم ربَّه قبل أن يُعلم غيره، وأن يتفكّر بالخالق قبل أن يتفحّص المخلوق؛ ومن عرف الأوّل اهتدى بالآخر. فالخَشيةُ تاجُ العلم، وبمقدار ما يخلو من الخشية، يكون فارغَ اليدين، خفيفَ الميزان، بل مُتعلمٌ ضلّ عن لبّ العلم وجوهره، ومقرّه الصدر لا الجمجمة. فليس هو حروفاً تلوكها الألسن، ونورٌ يشرق في الفؤاد. فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41] وإن فسد فسد الجسد بأسره. وفساده إنما هو أثرٌ من فساده فإذا تجلّت فيه إرادةُ الحقّ وحده، استنارت أنواره على الجوارح، وبما فيه رضاه». ليبين من ذلك أنَّ سلامة القلب شرطٌ لليقين، وأنَّ موطن الإيمان الحقيقي في السريرة التي لا يطّلع عليها سواه، فالقلب هو دار العلم والعبادة، ومِن خلاله يُميَّز من نال العلم الحق، ومن بقي على ضلالة الجهل، فالفوز مرهونٌ بصفاء الباطن لا بزينة الظاهر. فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ صُقِلَ قلبُهُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه. ويغمرنا برحمته وهدايته. وكلها أوصاف عقلية منسوبة للقلب لا للدماغ، وما ذلك إلا لأن القلب أشرف الأعضاء، فهو عرش العقل، ومنبع الشعور، وميزان الرشد. فكما قال رسول ٱللَّٰه ﷺ: إن القلوبَ بين إصبعين من أصابعِ اللهِ يقلِّبُها كيف يشاءُ وفي رواية أخرى: إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِن أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا علَى طَاعَتِكَ. ولذلك كان أكثرُ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثَبِّتْ قلبي على دِينِك"؛ وذلك طلباً للثَّباتِ على الدِّينِ وخوفاً مِن الزَّيغِ أو الضَّلالِ.