تاقت نفسي إلى جلسةٍ تأمليّةٍ على شاطئ الخليج العربي الذي تعانقه دولة الإمارات العربية المتحدة بمحبةٍ وحنان، أخذتني قدماي إلى ركنٍ هادئٍ على الشاطئ حيث الرمال الدافئة التي أحببتها على امتداد أربعة عقودٍ ونيف، وجمعتني بها قصة عشقٍ رسمت لحنًا شجيًّا تجذّر في أعماقي لوحة حبٍّ وإطلالة شوقٍ أشاهدها على صفحة الخليج، لن يدركها النسيان فهي بوابة القلب. امتدّت عيناي إلى الأفق البعيد وأنا أناجي أمواج البحر في ارتفاعها وانخفاضها، لتعود بي الذكرى إلى تلك اللحظة التي حطّت بها الطائرة في مطار دبي الدولي مساء الثامن والعشرين من أغسطس عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانين. تنفست هواء مدينة دبي ليلًا للمرة الأولى، فارتسمت على وجهي ابتسامة واسعة، فيمنحها بهاءً وصفاءً، ويكسوها دثارًا ذهبيًّا ينعكس على مصابيحها في لوحةٍ نقيّةٍ ساحرة. اشتدّت بي الذكرى وأنا أرنو إلى أمواج الخليج، فهتفت في نفسي: "لله درّك يا دبي!" سألت سائق المركبة التي أقلّتني من المطار إلى أحد فنادق دبي عن الأماكن التي نعبرها ليلًا، إنه تطوّر متواصل، والخير، والنقاء. "إن هذه القيم هي جوهر الأديان التي تسمو بالإنسان في كل زمان ومكان على وجه كوكبنا الأرضي، وتأخذنا نحو التآلف وإعمار الأرض والبناء الحضاري الذي تنتفع به البشرية جمعاء بمحبةٍ وإخاء. " ما زالت مضامين كلمات السائق تتردد في خاطري، وتتجلى هذه الأبعاد الإنسانية في الإمارات كلها. فهي تستحق الزيارة لقضاء الأوقات الممتعة حيث الفنادق والمطاعم والحدائق والأسواق التجارية المنتشرة في ديرة وبر دبي، ستجد في ربوعها ما يسرّك يا صديقي. تعود ذاكرتي إلى مقاعد الدراسة الثانوية في أواخر ستينيات القرن الماضي حينما كان صوت معلم الاجتماعيات يؤكد بأن مدينة دبي من أهم المحطات المبشرة بمستقبل عالمي على ضفاف الخليج العربي، وما زالت الذكرى تخامرني عندما نوّه أستاذنا بأن مرحلة التطور الحقيقي والمتنامي تدريجيًّا قد انطلقت بوتيرة عالية منذ عام 1959. تنهال الذكريات شلالًا متدفقًا وأنا أعانق أمواج الخليج. كانت الليلة الأولى في دبي مليئة بالتفكير والتأمل حيث سأعمل معلّمًا للغة العربية في وزارة التربية والتعليم. وفي صباح اليوم التالي تعرفت إلى تفاصيل دبي في رائعة النهار، ذللتها حكمة المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حكمة حوّلت التحديات إلى نجاحات وإنجازات. وتكللت هذه الإنجازات بالنجاح في حقبة زمنية قصيرة؟ فيجيب الواقع الحضاري والضمير الإنساني: بوجود رؤى طموحة تعانق المستقبل، وخطط علمية لدى قيادة حكيمة آمنت بالقيم طريقًا، وببناء الإنسان هدفًا، فأصبحت أيقونة العالم في المحبة والتسامح والبناء.