تاريخ الاستعمار : ومهد لهذه الحروب، وحشد لها الجموع من رجال الدين والساسة والعامة ، وأجع نارها في أصفاع أوروبا، وقد امتدت ما يقرب من تسعة قرون منذ الحملة الصليبية الأولى على العالم الإسلامي التي قادها بطرس الراهب سنة ( ١٩١هـ ١٣٩٧م ) وتمكن من السيطرة على الأراضي المقدسة في بلاد الشام ، إلى الحملة الصليبية الثامنة بقيادة لويس التاسع سنة ٦٥٢ - ١٢١٩م ، الذي أسر في معركة المنصورة سنة ١٢٥٠م ، ونبه إلى عدم جدوى الصدام العسكري مع المسلمين في ذلك الحين ونادى بالغزو الفكري لعقيدتهم وأخلاقهم وفكرهم . وقد استطاعت الحروب الصليبية التي استمرت زهاء قرنين في المشرق استنزاف جميع القوى البشرية والمادية في منطقة الشام ومصر ، وفرض سيادتها على أجزاء من البلاد الإسلامية منها بيت المقدس وما حوله من الأراضي المباركة ، إلا أن الله هيا لهذه الأمة أسرة آل زنكي التي تمكنت من قيادة المسلمين لمواجهة الصليبيين وهزيمتهم وتوحيد الأمة الإسلامية ابتداء من نور الدين محمود زنكي المتوفى سنة (٥٦٩) (هـ) وانتهاء بالقائد صلاح الدين الأيوبي الذي كسر شوكة الصليبيين واستعاد بيت المقدس سنة (٥٨٣هـ - ١١٨٧م ) في معركة حطين ، ويمكن القول إن هذه الفترة الزمنية اتسمت بروح التحدي والمقاومة والدعوة إلى الجهاد في سبيل الله (٢) ، التي اعترف بها بعض الكتاب الغربيين مدركين أنها السد المتبع أمام تحقيق الصليبيين أهدافهم ، ولكن ذلك الجهد قد خاب وتراجعت الحملة الصليبية أمام سدود عتيدة من التعصب الإسلامي )(٣) . وباءت الحملات الصليبية بالفشل، وارتدت على أعقابها خائبة ، ولم تلبث الأمة أن تولت قيادتها الدولة العثمانية التي حفظت العالم الإسلامي من أخطار محاولة الغزو العسكري الغربي ؛ بل عملت على توسيع رقعة البلاد الإسلامية ونشر الإسلام في أوروبا ، حتى تمكنت من فتح القسطنطينية قلعة الدولة الرومانية الشرقية ( ) عام ١٤٥٣م ، فهال ذلك أوروبا وقض مضجعها ، وسيطر على غالب ما يُعرف بأوروبا الشرقية ، فكان لابد من التفكير في الغزو العسكري من جديد بعد أن هيأت له العوامل الأخرى من تبشير واستشراق الأرضية الملائمة ، وبعد أن دبت الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين مغترين ببهرج التقدم المادي في أوروبا ، وبعد أن شاخت دولة الخلافة العثمانية ، وظهر عليها مظاهر الضعف ،