الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الحمد لله الذي ختم الرسل بهذا النبي الكريم عليه من الله الصلاة والتسليم, وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم, التعارض لغة : هو التقابل ، وهذا قد يكون على سبيل المماثلة ومنه قولهم : ( عارضت فلانا في السير ) إذ سرت حياله [1] فإذا قلنا تعارض الدليلان ، كان المعنى : تشارك الدليلان في التعارض الذي وقع بينهما . وهو يطلق في اللغة ويستعمل لعدة معاني من أهمها : وقد عارض عارض أي : حال حائل ومنع مانع " أهـ ومنه قوله تعالى : وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي بينكم وبين ما يقربكم إلى الله [2] المقابلة : قال في لسان العرب عارض الشئ بالشئ معارضة : قابله ، وعارضت كتابي بكتابه أي : قابلته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي ) [3] التعارض إصطلاحا : أكثر من تناول تعريف التعارض بهذا الإسم الأصوليون أما المحدثون فإنهم لم يتناوله بهذا الإسم ، ولكن هذا الإختلاف لا ينبني عليه إختلاف في حقيقة التعارض عندهم ، التعارض إصطلاحا هو : تقابل الدليلين على سبيل الممانعة . لفظ (تقابل ) : عام يشمل كل تقابل ، عبارة (على سبيل الممانعة ) : أتي بها لبيان أنه يشترط في الدليلين التعارض : أن يدل أحد الدليلين على غير ما يدل عليه الاخر كان يدل أحدهما على الجواز والاخر يدل على التحريم ، فكل منهما مقابل للأخر ، وقيل التعارض هو : تقابل حديثين نبويين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الأخر تقابلا ظاهرا . قولنا : ( التقابل ) : جنس في التعريف يشمل كل تقابل سواء كان بين حديثين أو غيرهما . قولنا ( بين حديثين ) : قيد في التعريف يخرج به التقابل بين غير الحديثين كتقابل بين آية وحديث أو بين حديث وأي دليل أخر غير الحديث مما هو ليس موضوع درستنا . قولنا : ( نبويين ) : قيد يخرج الأحاديث الموقوفة على الصحابة والأحاديث المقطوعة على التابعين . قولنا : ( على وجه يمنع كل منهما مقتضى الاخر ) : وصف للتقابل ويقصد به : أن يدل كل من الحديثين على نفس ما يدل عليه الأخر . قولنا : ( تقابلا ظاهرا ) : يقصد به أن التقابل والتعارض بين الأحاديث إنما يكون بحسب الظاهر لا في الواقع ونفس الأمر ، مسألة : بيان أنه لا تعارض في النصوص وإنما هو في ذهن المجتهد . مر معنا في تعريف التعارض أنه تقابل الدليلين على سبيل الممانعة ، وتقابل الدليلين على سبيل الممانعة إنما منشؤه فهم الفقهاء ، يقول الإمام الشاطبي : الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها ، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يوجود تعارض حقيقي بين النصوص الصحيحة ، وان التعارض الذي يمكن أن يكون بين الأدلة يكون في الظاهر ويكون في ذهن المجتهد ، ولا يكون بينهما تناسخ ولا يجمعهما جامع ، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما . قال القاضي أبو بكر الباقلاني – رحمه الله - : وكل خبيرين علم ان النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهما ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به . قال الإمام ابن القيم – رحمه الله - : وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخا للأخر فهذا لا يوجد أصلا ، وحمل كلامه على غير ما عناه به ، قال الإمام الشاطبي – رحمه الله – في الموفقات[10] : لا تجد البته دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف ، ويظهر من كلام أهل العلم السابق ذكره وغيرهم أنهم متفقون على أنه لا يوجد ثمة تعارض بين الأدلة في الشريعة وأنه يكون في الظاهر إن وجد ويكون في فهم المجدتهد وذلك يرجع عندهم لعدة أمور : وأما الادلة على عدم وجود تعارض حقيقي بين النصوص هي كما يلي : الدليل الاول : قول الله تعالى :( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) الدليل الثاني : ان الأحاديث النبوية وحي من الله تعالى كام قال عز وجل :( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) وما كان وحيا من الله فهو منزه عن الإختلاف والتناقض لقوه تعالى : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) فنفى الله تعالى أن يقع في كلامه إختلاف البتة ، الدليل الرابع : ان الأصولين قد إتفقوا على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة ظاهرا - إذا لم يمكن الجمع ولم يعلم التاريخ بين النصين فيقال بالنسخ - وأنه لا يصح إعمال أحد الدليلين المتعارضين جذافا من غير نظر وبحث عن مرجح لها ، مسألة : أسباب وقوع التعارض الظاهري بين الأدلة . أولا : أن يكون أحد الحديثين ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقةً ثبتا ً ، ثاينا : أن يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن شئ فيأتي أحد الرواة بهذا الخبر كاملا ، فيظن بسبب ذلك التعارض والإختلاف بين هذه الاخبار ثالثا : ان ارجل قد يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الجواب دون السؤال الذي بمعرفته يزول الإشكال وينتفي التعارض والختلاف . رابعا : أن يكون احخد الحديثين ناسخا للآخر فيجهل البعض لالتناسخ بينهما فيظن ويتوهم ان بيهما تعارضا وختلاف ، بينما الامر على خلاف ذلك ، خماسا : أن يكون التعارض في فهم السامع ونظر المجتهد لا في كلامه صلى الله عليه وسلم وذلك أن النبي عربي اللسان والدار ، فقد يقول القول عما يرد به العام ، سادسا : الجهل بسعة لسان العرب فإن العرب تسمي الشئ الواحد بالأسماء الكثيرة ، ليس كل تعارض بين دليلين صحيح ، بل أن للتعارض الصحيح شروطا هي كما يلي : أن يكون الدليلان متضادان تمام التضاد بأن يكون أحدهما يجوز والآخر يمنع ، لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم فلا تعارض كما بينا . الثاني : الحجية في المتعارضين : وصورة هذا الشرط هي أن يكون كل من الأدلة المتعارضة حجة مقبولة يصح التمسك بها ، الثالث : المساوة بين الدليلين : وهو أن يتساوى الدليلين في القوة ، ومن أقسام التساوي بين الأدلة : التساوي في الثبوت ، فلا تعارض بين دليلين تختلف قوتهما من ناحية الدليل نفسه ، فلا تغارض بين القطعي والظني ؛ فنخرج من هذا الشرط بأنه لا يوجود تعارض حقيقي بين الأدلة وإنما هو في نظر المجتهد . الرابع : الإتحاد في الوقت والمحل : ثم ورد بعد بعده نص آخر ينهى عن ذلك الشئ أو ينفيه فلا يعتبر هذا تعارضا ؛ الثاني : الإتحاد في المحل : أما اختلاف ذلك بالنسبة إلى شخصين مختلفين فلا إشكال فيه ، فالزوجة حلال بالنسبة إلى زوجها وحرام بالنسبة إلى من عداه ، لأن التعارض الحقيقي بين الأدلة الشرعية غير موجود . مسألة : مسالك العلماء عند التعارض الظاهري بين النصوص . وقد ذهب جمهور اهل العلم إلى وجوب دفع التعارض بين الأحاديث على الترتيب التالي : أما إصطلاحا فهو : الإتلاف بين الأدلة الشرعية وتوافقها ، وبينا أن الإختلاف بينهما غير موجود حقيقةً فيجب على المجتهد أن يحاول الجمع بين الحديثين المتعارضين ظاهرا ، لأن إعمال الإدلة كلها أولى من إهمالها أوإهمال بعضها ، قال الإمام الخطابي – رحمه الله - : وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الاخر : ألا يحملا على المنافة ولا يضرب بعضهما ببعض ، مسألة : شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة . ليس كل جمع بين دليلين متعارضين يصح ، بل أن للجمع الصحيح شروطا هي كما يلي : الأول : أن يكون كل دليلٍ من الدليلين المتعارضين ثابت الحجية ، فل يجوز الجمع بين دليلين ضعيفين الثاني : لا يجوز الجمع بين دليلين قوي ودليل ضعيف ، الرابع : ألا يخالف المجتهد بحمع وتأويله الأحكام الشرعية المتفق عليها أو ما علم من الدين بالضرورة . والمعنى اذهبت الظل وحلت محله . فائدة : وجدير بالتنبيه هنا أنه إذا قام الدليل صريحا على بيان النسخ بين الحديثين فإنه حين إذ يعمل به ولا يلجأ إلى الجمع . إصطلاحا هو : تقديم المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين ، [20] [22] وقد قسم بعض اهل العلم هذه الأوجه إلى ثلاثة أقسام : لقد اتضح من تعريف الترجيح أركان الترجيح وهي باختصار : الثالث : وجود المجتهد الذي يرجح أحدهما على الآخر . شروط الترجيح : ليس كل ترجيح بين دليلين متعارضين يصح ، بلأ إن للترجيح الصحيح شروطا هي كما يلي : الشرط الأول : أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين ، فإن أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر الشرط الثاني : أن يكون الدليلين ظنيين ، حيث أنه لا تعارض أصلا بين دليلين قطعيين ، لأنهما قابلان للتفاوت . بل لا يسمى ذلك ترجيحا أصلا . الشرط الرابع : أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين . بحيث يجعل المجتهد يغلب على ظنه ان احد الدليلين أقوى من الآخر رابعا التوقف[23] : [25] مسألة : إذا ثبت التعارض بين الدليلين فهل يقدم الجمع أم الترجيح ؟ لقد اختلف أهل العلم في ذلك على مذاهب من أهمها مذهبان هما : المذهب الأول : أنه يقدم الجمع بين المتعارضين بأي نوع من أنواع الجمع فإن تعذر الجمع فإنه يرجح أحد الدليلين على الأخر . وهذا مذهب الجمهور وهو الحق لما يلي من الادلة : فلا يمكن إلغاؤهما ، الدليل الثاني : أنه قد ورد تقديم الجمع بين الدليلين عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث أنه لما قرأ قول الله تعالى :( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ) ، قال – أي ابن عباس - : يسألون في موضع ، لأنه اعلم بذلك منهم ، حيث أنه يترتب عليه ترك أحد الدليلين ، المذهب الثاني : أنه يقدم الترجيح على الجمع فقال أصحاب هذا المذهب في تفصيل ذلك : إنه يقدم النظر في تاريخ ورودهما ، فإن علم أن أحدهما متقدم على الاخر ، فإنه يحكم بأن المتأخر ناسخ لمتقدم ، وإن تعذر معرفة تاريخ وردهما : فإنه يرجح أحدهما على الأخر بأي وجه من وجوه الترجيح ، وعدل إلى الاستدلال إلى ما دونهما في الرتبة . الدليل الاول : أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا أشكل عليهم حديثان ، وهذا لا نزاع فيه ، ولكن النزاع في تقديم الجمع على الترجيح ، أو العكس ، وهذا الدليل لا يدل على تقديم أحدهما على الأخر ، فلما لم يكن الجمع بين الحديثين السابقين لجأوا إلى الترجيح .