يعتقد "هوسرل" أن إبداعية الفكر اليوناني لا تتمثل فقط في مجال الفلسفة، وإنما تبدو مظاهرها أيضا في شتى مجالات المعرفة والعلوم الأخرى، وأن الفلسفة اليونانية ليست إقليمية محدودة بزمانها ومكانها، ظل تأثيرها باقيا منذ القرن. السادس قبل الميلاد إلى يومنا هذا ، وكان هوسرل" واحدا من الفلاسفة المعاصرين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية عامة وبمثالية أفلاطون خاصة، عندما ذهب إلى أن " الفينومينولوجيا" باعتبارها العلم الكلي الدقيق - تعتبر تطويراً للفلسفة اليونانية القديمة، فإنه كان يقصد من ذلك أن اليونانيين القدماء وخاصة أفلاطون نظروا إلى المعرفة نظرة كلية شاملة تضم كل فروع العلم وشتى صنوف المعرفة في وحدة مترابطة، وهوسرل يريد العودة إلى اصطناع هذه النظرة الكلية في الوقت الحاضر، تأثر هوسرل بكثير من أفكار " أفلاطون" المثالية خاصة ما يتصل منها بتأسيس العلم الكلي اليقيني القائم على إدراك الماهيات العقلية المجردةباعتبارها حقائق ثابتة. فأفلاطون عندما وجه اهتمامه لدراسة الماهيات الكلية الثابتة، فقد أراد من ذلك الارتقاء بالمعرفة الإنسانية وتأسيسها على مبادئ عامة مطلقة وحقائق يقينية شاملة، وهذا هو الهدف الذي سعى هوسرل لتحقيقه حيث اقتفى طريق أفلاطون وانتقل من دراسة الكليات حدس الماهيات الكامنة في الشعور، إلى محاولة أن يقيم عليها العلم اليقيني الدقيق والمعرفة الصحيحة الشاملة، وفي هذا المجال يمكن اعتبار الفينومينولوجيا بمثابة عودة إلى المعنى الكلي الشامل إلى الفلسفة اليونانية، ويؤكد هوسرل نفسه هذا الاتجاه في خاتمة مقالته بدائرة المعارف البريطانية حيث يقول : وعلى هذا فإن المفهوم القديم للفلسفة باعتبارها علماً كلياً كما يبدوعند الأفلاطونية والديكارتية قد ظهر من جديد، لكنه ظهر في ثوب آخر وإطار مغاير لما كان عليه الحال عند أولئك السابقون. كان الهدف الأساسي عند "أفلاطون" هوإقامة العلم الكلي الصحيح الذي يضم في ثناياه كافة العلوم الجزئية وشتى المعارف الممكنة، يضمها كلها في وحدة شاملة ترتد أخيرا إلى مثال الخير الأعلى، وهو يقول في هذا الشأن اعتقد أن المرء لووصل في دراسته لكل هذه العلوم التي تحدثنا عنها إلى كشف ما بينها من صلات وروابط وإيضاح العلاقة التي تجمع بينها لأسهمت هذه الدراسات في الوصول إلى بناء هدفنا وتحقيق هذه الفكرة عن المعرفة الكلية اليقينية القائمة على إدراك الماهيات العقلية الصحيحة الموجودة في عالم المثل يكون بالجدل الذي يصل بالمرء إلى قمة في عالم المعقول ويبلغ بالعقل وحدة ماهية كل شيء، تأثر هوسرل بكثير من أفكار أفلاطون المثالية خاصة ما يتعلق منها بتأسيس العلم الكلي اليقيني القائم على إدراك الماهيات العقلية المجردة باعتبارها حقائق ثابتة فقد كان أفلاطون يمثل حلقة مهمة في فلسفة هوسرل إذ حركه ومن خلال مقولته الشهيرة "لا يدخل أكاديميتي إلا من كان رياضيا"، وهذه كانت تمثل انطلاقة هوسرل الحقيقية في مجال الأبحاث المنطقية وفي هذا الصدد يقول إن أفلاطون كان نقطة انطلاق لعلم أساسه ليس فقط التسلسل المنطقي، بل كذلك لهدف بناء نظام لمختلف العلوم وكأساس لمبدأ الممكنات، وتجده في مصدره الشهير "مدخل للمنطق الصوري والمتعالي" يؤكد على أهمية أفلاطون ومرجعيته الأساسية في مجال المعرفة الحديثة وهنا دلیل آخر على إغريقية هوسرل وبتعبير آخر إن القاعدة الأساسية لأعماله كانت الفلسفة يعني إمكانية القول بأن فلسفة هوسرل تمثل ميلاداً جديداً للأفلاطونية، إلا أن الإغريقية الحقيقة في هذا الشأن لا تعني أن هوسرل كان أفلاطونياً خالصاً، وإنما تأثر فقط ببعض أفكار أفلاطون وفي نفس الوقت رفض الكثير من فلسفة أفلاطون، ومعنى ذلك أن الأفكار التي تأثر بها من أفلاطون كانت تخضع للتحوير والتطوير، تمهيداً لأن يتناولها بعد ذلك من شكله المتطور باسم هوسرل .