فذلك أصعب من أن يكون حقيقة، لكننا نصطدم بالواقع الذي يُذكرنا بأننا جزء ضمن جماعة كبيرة، وهي الجماعة التي حددت ما ينبغي أن يكون بغض النظر عن درجة صوابه، وهي الجماعة التي وضعتنا في إطار بات الخروج عنه مدعاة للرفض، هي أمور ترسخت بشكل عميق حتى صارت طبيعية، فلم يعد هينا أن يستشعر المرء حريته كما يشتهي، ولابد له أن يتصرف وفق ما يناسب المجتمع، هكذا كانت تسير الأمور ولا تزال بوتيرة أقل مما كانت بقليل، وبقدر ما قلت الوتيرة صار الناس يبحثون عن ملاذ آمن لحرياتهم، رغم أن ممارسة الحرية يضع دائما وجود الآخرين في عين الاعتبار، ورغم كل ذلك يحاول المتحررون أن يعتنقوا حرياتهم رغم اصطدامهم المر بالواقع، ولقد صدق جان بول سارتر لما قال بأن الجحيم هم الآخرون، وتنشئتنا الاجتماعية تساير هذا الطرح، وتدفعنا لنكون أفرادا داخل مجموعة تشارك وتنتمي وتتفاعل في إطار الجماعة، ومحاولة ممارسة ما يخالف ذلك يبدو صعبا للغاية، ودائما ما نصطدم بتنشئتنا وثقافتنا التي جعلتنا نسخ متناثرة لعقليات انسجمت بشكل سلبي، قد نبدي اختلافنا ورفضنا لكل تلك السلوكات التي لم تعد ملائمة لطريقة تفكيرنا ولنظرتنا، لكننا ما ننفك نفعل ذلك حتى نتورط من جديد في حقيقتنا، ننجح أحيانا في السيطرة على اختلافنا وفردانيتنا، لقد خسرنا شخصيتنا بسبب تربيتنا التي ورطتنا في خيبات وخطايا تُبعدنا عن إنسانيتنا. لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يشكل عائقا أمام ما يمكن أن يوحدنا، وقد يؤثر الوعي بشكل إيجابي في تحقيق هذا المطلب الإنساني لقد خسرنا جزء من إنسانيتنا وسط هذا المجتمع، ولم نتعلم أن نرسم أنفسنا بعيدا عما يخططه الآخرون بشأننا، ولم نتربى أن نلوذ بحرياتنا بكل مسؤولية، ولم ندرك الطريقة المثلى للإيمان بعقولنا واستخدامها في سبيل تفكير يدفعنا لنكون الأفضل. ربما فقدنا بوصلة الخروج من صحراء الجهل التي جعلتنا نعيش ونتعايش بشكل لا يروق لما توجد عليه الإنسانية، لكي نسلك الطريق نحو تحقيق مجتمع ينبض بالحياة، وبكل ما من شأنه أن يرتقي بإنسانيتنا، لا تعتقد بأنك إنسان بمجرد ما تنتمي إلى الجنس البشري، فأن تصير إنسانا بالمعنى الواسع للكلمة أعقد من أن تشعر بذلك، وهذا ما ذهب إليه سقراط لما قال بأن الإنسانية ليست دين، وأن تصعد إلى رتبة الإنسانية فالأمر يتطلب نوع من التعالي عما يعرقل طموحك لكي تصير إنسانا. أنت لست أكثر مما تفعل من أجل ذاتك، إن لم تدرك حريتك في صنع نفسك، فلن تكون نفسك أبدا، ووسط هذا الضياع لن تجد أبدا السبيل نحو استكشاف ومحاكمة سؤال المعنى، وهو أمر يستعصي على التحقق، نصنع معنى إنسانيتنا كلما تسللنا من اختلافاتنا، أما غير ذلك فلا يمت لوجودنا الإنساني بِصلة، الأغلبية يذوبون في انتماءات صُنعت سلفا، وبمجرد ما يتصادمون مع انتماء آخر يرفضون ذلك بكل جهل، على أساس أن انتمائهم هو الصواب. لقد صار التعالي عن الانتماءات مطلبا ضروريا من أجل تحقيق انسجام إنساني يُذكرنا بتَمَيزنا على جميع الكائنات رغم حقيقتنا المُرة، ويبعدنا عما يمكن أن يعكر تعايشنا المنشود. فما ذكرناه سلفا يبدو مثير للاهتمام، لكن تحقيق ذلك على أرض الواقع يبدو مستبعدا نوعا ما، فليس كل البشر قادرون على التنازل عما يجعلنا مختلفين، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يشكل عائقا أمام ما يمكن أن يوحدنا، وقد يؤثر الوعي بشكل إيجابي في تحقيق هذا المطلب الإنساني، وبنفس القدر يعكر الجهل مدى طموحنا في أن ننتمي إلى عالم إنساني متعايش بكل اختلافاته، هكذا هو طريق الجهل، وهذا ما نلمسه في المجتمعات التي لم تجد الطريق الصائب نحو الوعي، فبات بناء الإنسان مطلبا بعيد المنال، ذلك أن أساس الانطلاق نحو الإنسانية هو بناء إنسان منفتح يؤمن بالاختلاف،