وفي أثناء هذا الجو العلمي النشط ظهر علم الاستشراق الذي يعتني بدراسة الغرب للشرق بكل مكوناته ومقوماته، وبمرور الزمن تعددت وتغيرت اتجاهات المستشرقين من علمية محايدة إلى عملية موجهة توجيهاً أيديولوجياً معيناً يخدم أغراضاً بعينها؛ جملة القول إن الغرب الأوروبي قد استطاع بكل ما وفره من إمكانيات لحركة الاستشراق بدءاً من القرن العاشر الميلادي أن ينقل إليه النموذج الحضاري الشرقي في فترة كان ظلام الجهل الدامس يخيّم على كل أرجاء العالم الغربي. وبمرور الوقت أصبح جلياً أن الاستشراق عني عناية كبرى بكل ما هو شرقي وإسلامي وعربي على حدة، ويمكن التعرف على الملامح العامة لعناية الاستشراق بكل المجالات السابقة فيما يلي: وفي مجال الفلسفة الإسلامية اهتم الاستشراق بالبحث في أقسامها الثلاثة: الكلام والتصوف والأخلاق ومفاهيمها للمشكلات الفلسفية الكبرى مثل الوجود والمعرفة والإنسان، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف وجه أو طوّع الاستشراق كل هذه المادة العلمية الإسلامية؟ ولعل موقف الاستشراق كان أشد خطراً من ذلك كله لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يرى الرؤية الموضوعية الواضحة ويبرز الحقيقة التي لا يشوبها الشك ولكنه لم يفعل ذلك بل تآمر مع الاستعمار والصهيونية في طمس الحقيقة واشترك في هذه الجريمة التاريخية ضد أمة لم تقدم للإنسانية إلا الخير عبر التاريخ. وهذا كلام باطل ومرود عند المسلمين، بطرح مسألة الاستشراق من جانبها الآخر أي من جهة المستشرقين أنفسهم لكي يردوا على انتقادات الشرقيين لأعمالهم، وكلود كاهين، كلهم يردون على موقفين أساسين من مواقف الاستشراق، إن قراءة أولية في ردود هؤلاء المستشرقين لتبين أنهم كما أجادوا الهجوم على الشرق ممثلاً في الإسلام وحضارته، وليكن (فرانسيسكو غابرييلي) أحد كبار المستشرقين الايطاليين في القرن العشرين،