---- عقب انتهاء فترة التدريب ، و أدائى اليمين القانونية أمام القضاء كمعاون طبيب شرعى ، فى طريقى لمقر العمل الجديد ، تداعت إلى رأسى مئات الأفكار و الذكريات ، فلم يكن عملى كطبيب شرعى مجرد صدفة ، أو فرصة كان علىً اغتنامها ، بل كان هروباً من ذكرى مؤلمة حدثت لى ، بينما كنت طبيباً للطوارىء فى احدى المستشفيات الحكومية . الحقيقة أننى كنت طبيباً مشهوداً له بالكفاءة و الانضباط ، و كان قرارى صادماً لكل من حولى عندما قررت ترك ممارسة الطب الاكلينيكى و التحول للعمل بالطب الشرعى ، واجهت انتقادات عنيفة من زملائى بالمستشفى ، لأنهم ظنوا أن موقعى كطبيب طوارى أفضل لى و للمرضى و لمستقبلى المهنى ، نظراً لكفاءتى ، و والدى كان حزيناً و ان كان لم يخبرنى بحزنه أو اعتراضه و لكننى شعرت بهذا الحزن فى نظراته إلىً ، أعرف أنه كان يريد أن يكون لى عيادة تعلوها لافتة تحمل اسمى و اسم العائلة لأكون مصدر فخر لهم ، و والدتى – أيضاً – كانت تشعر بالضيق إلا أنها أنهت كثيراً من الجدل العائلى حول قرارى بعبارة بسيطة " انت أدرى باللى يريحك ، دى حياتك و مستقبلك ، العجيب أن زوجتى لم تناقشنى فى القرار نهائيا ، و كانت تعلم أننى لن أتخذ قرار مثل هذا إلا إذا فكرت فيه مليا ، فهى على ثقة أننى لن أضع مستقبل أسرتنا الصغيرة فى مهب الريح ، لاسيما و مولودنا الأول على وشك الوصول . كانت الحالة قد أخذت وقتاً طويلاً فى التشخيص نظرا لازدحام المستشفى ، و ما زاد الطين بلة هو الخلاف الذى نشأ ين الأطباء الباطنة و أطباء الأمراض الصدرية حول ، على عاتق من منهم تقع مسئولية علاج هذه السيدة ؟ وفى أثناء هذا الوقت الطويل كانت السيدة تعانى ، و كانت تصرخ مستغيثة " الحقونى بأموت منكم لله " عرفت فيما بعد أنها توفاها الله فور ايداعها العناية المركزة ، و شعرت بتأنيب ضمير لما حدث لها ، على الرغم من أننى لم أقصر فى أى اجراء تجاهها . للأسف لم يقتصر الأمر على تانيب الضمير ، و لكنه امتد إلى أننى أصبحت أراها فى أحلامى كل ليلة ، نعم . لن أكون مسئولاً عن أرواح البشر مرة أخرى فى منظومة يملأها الفساد و البروقراطية و ضعف الامكانيات ، ربما التعامل مع الموتى سيكون أخف وطأة ، فعامل الوقت عندهم بلا ثمن ، و لكننى حقاً كنت مخطئاً مرتين ، مرة عندما ظننت أن عامل الوقت عند الموتى بلا ثمن ، و مرة عندما ظننت أن السيدة العجوز ستتركنى و شأنى بعد أن أتوقف عن ممارسة الطب ، و مليئاً بالود و اللطف ، 4 ) ---- و لم تمر سوى ساعة حتى استدعانى مدير الادارة ، و ما أن دخلت مكتبه حتى ابتسم و قال : " درش حبيبى ، سمعت أنك كنت شاطر فى فترة التدريب " . حبة عضم لقوهم فى مزرعة مهجورة ، و ركب الهيكل العظمى و اعمل Puzzle، و ورينى شطارتك . شعرت بالارتباك حيث كنت أتوقع أن تكون أول القضايا قضية تشريح ، أو كشف على مصاب مثلاً ، و لكن لم يسبق لى فى فترة التدريب فحص هيكل عظمى ، لا أحب أن أترك انطباعاً سيئاً عنى منذ البداية ، و إذا كان العضم لنفس الشخص و اللا أكتر ، و لو عرفت تحدد زمن الوفاة و سبب الوفاة يبقى كتر خيرك قوى ، كان خاطئاً و بشدة !! . خفيفة الوزن ، و محكمة الغلق ، و تم اغلاقها بالشمع الأحمر الذى يحمل أختام وكيل النيابة المسئول عن القضية ، و ما أن فتحتها حتى انبعثت منها الرائحة العطنة المميزة لرفات عظام الموتى ، كانت العظام كما أخبرنى الدكتور " مدحت " لطفل صغير ، و لكننى اجتهدت لترتيب الموجود منها مسترشداً بكتب التشريح . و كتابة وصفها ، كما قمت بكتابة بيان بالعظام المفقودة ، مما يشير إلى أنها عظام لشخص واحد فقط ، نظراً لسوء حالة الظام و عدم اكتمالها ، و لكننى حاولت بكل ما أوتيت من معرفة ، و كذلك من خلال فحص الأسنان الموجودة بالجمجمة ، و قد توفى منذ عام تقريباً فقمت باستخراج أجزاء الملابس ، تبينت أنها أجزاء مهترئة فيما يبدو ل" تيشيرت " أطفال ، و اعادة تحريزه بالشمع الأحمر ، و ارساله إلى المخزن الملحق بالإدارة . 5 ) و عقدت العزم على كتابة التقرير فى اليوم التالى عقب مراجعة بعض التفاصيل العلمية الخاصة بها ، ثم خلدت للنوم . السيدة العجوز توقفت عن الصراخ هذه المرة ، و لكنها مازالت تقف أمامى تنظر لى بغضب ، لحظة . إنها ليست بمفردها ، إنها تمسك بيد طفل أو بيد طفلة بلا ملامح واضحة ، كان هذا باختصار أخر ما رأيته فى حلمى ، قبل أن أستيفظ صباح اليوم التالى و أنا أشعر بحيرة كبيرة من ذلك الحلم العجيب ، لماذا توقفت السيدة العجوز عن الصراخ ؟ما سر نظرة الغضب فى عينيها ؟ من هو ذلك الطفل أو الطفلة التى تمسك بيدها ؟ هل هذه رسالة من نوع ما ؟ لم أكن أعلم ما تفسير هذا الحلم الجديد ، و لكن كل ما كنت أعلمه أنه سيتكرر لأن هذه السيدة قررت ألا تتركنى بسهولة ! فى صباح نفس اليوم ذهبت إلى المكتب و قمت بأخذ احدى القضايا السهلة هذه المرة ، و ربما كان اشارة إلى أننى لم أقم بما يكفى فى هذه القضية ، الحرز أهو ، حضرتك هتفحصه تانى ؟ بعد اذنك ، عاوز أتأكد من حاجة ، و قمت بفحص العظام بعناية ، و لم أتبين شيئاً جديداً ، طعام ، حديث مع الأسرة ، ليتها تكرر الحلم مرة أخرى ، السيدة العجوز بنظرتها الغاضبة بصحبة طفل أإو طفلة بلا ملامح ، بينما قضية الهيكل العظممى بلا حسم . بعد أيام ، وصلنى تقرير المعمل الطبى المركزى يفيد بأن تلك العظام تعود لطفلة أنثى ، و أنه قد تم استخلاص الحامض النووى بنجاح ، لحظتها شعرت بسعادة غامرة ، و قررت لحظتها أن أكتب التقرير فى أقرب وقت ، و لم لا ! فقد وصلت لنتيجة مهمة و أوشك دورى على الانتهاء فى هذه القضية ، و لكننى على ما يبدو كنت واهماً . مهلاً ، إنها فتاة هذه المرة ، الحلم بدأ فى الاختلاف ، و ربما يكون هو سبيل الخلاص و صك الغفران من هذه السيدة العجوز لى . فجاء الأستاذ ( حسن ) أمين المخزن ، هو فى مشكلة وللا حاجة فى القضية ؟ رددت بهدوء مبتسماً : لا أبداً ، بس كنت عاوز أتأكد من حاجة . رد حسن باقتضاب : أصل الحرز لو اتفتح و اتقفل كتير ممكن الكرتونة تبوظ ، ياريت بلاش نفتحه كتير ، ---- و كان هذا النوع من الاختبارات يستفزنى إلى أقصى مدى ، و الحرز ده مش هيتحرك من المخزن إلا لما القضية تتصدر للنيابة بعد ما أكتب التقرير ، رد حسن بضيق : اللى تشوفه ، قمت بفتح الحرز ، ما الذى ينقصنى هذه المرة ؟ زمن الوفاة منذ عام ، و لا توجد كسور بالعظام الموجودة ، فما الذى ينقصنى ؟ اكتشفت أن هذه الملابس لم أقم بوصفها أو فحصها بما يكفى ! قمت بإزالة الطين عن ال " تيشيرت " بعناية و رفق ، مرسوم عليه نجوم بألوان مختلفة . مهلاً ، ليس هذا فحسب ، و لكن هناك – أيضاً – ربما أربعة أو خمسة قطوعات حادة الحواف بنفس المنطقة ، و هذه القطوعات وفقاً لطولها الذى لا يتعدى السنتيمترين تبدو و كأن سكيناً رفيعة أو مطواة قد أحدثتها . كان ما اكتشفته للنو مثيراً للاهتمام ، فتبينت امكانية هذا ، و قمت بالفعل بارسال ال " تيشيرت " إلى المعمل الطبى ، و قمت باعادة تحرير الملابس و العظام ، و ارسالها للمخزن . ذهبت إلى منزلى و أنا فى غاية السعادة حيث أننى وصلت إلى ترجيح أنه ربما سبب وفاة تاطفلة كان الطعن باستخدام أداة صللبة ذات نصل حاد كسكين أو مطواة ، و كنت أنتظر فقط تأكيد المعمل الطبى لوجود آثار دماء على ال " تيشيرت " حتى يصبح ما اكتشفته حقيقة ، و كذلك محاولة التعرف على الجانى فى القضية . و تكرر الحلم بذات تفاصيل المرة السابقة ، و كان هذا يعنى حسبما أعتقد أنها راضية عنى بصورة أو بأخرى ، و هذا يكفينى لحين التخلص منها نهائياً . مرت عدة أيام روتينية فى العمل ، و روتينية فى الأحلام ، حيث تكرر نفس الحلم دون تغيير ، و كان هذا دليلاً قاطعاً أن خلف الهيكل العظمى تكمن جريمة قتل بشعة راحت ضحيتها فتاة ، و قمت ببدء اجراءات إرساله للنيابة المختصة . و كنت راضياً أن يسير الحلم على نفس المنوال ، كانت السيدة العجوز غير غاضبة ، و انتهى الحلم ، و لم يكن لهذا سوى معنى واحد ، أن هناك ما فاتنى فى هذه القضية ، 7 ) ---- و أخذت كل الاحتياطات الممكنة ، فلماذا بكاء الطفلة ؟ و قلت فى نفسى ( يعنى أنا أخلص من الست الحاجة اللى زعلانة ، ذهبت إلى المكتب فى ذلك الصباح ، ثم طلبت احضار التقرير الذى أعددته فى القضية لمراجعته ، أو معلومات غير مكتملة . قمت بفحص الحرز مرة أخرى بدقة ، هذه المرة استوقفنى أمر محير ألا و هو أن طول العظام و حجم الجمجمة غير متناسبين مع العمر التقديرى لصاحبة الهيكل العظمى ، و الذى قدرته باثنى عشر عاماً ، و لكن مع سوء حالة العظام و اعتمادى بصورة كبيرة على فحص الأسنان المتبقية فى الفكين ، أصابتنى الحيرة ، فربما أكتشف شيئاً ما ، فكيف نجرى أشعة لجمجمة على جهاز يستخدمه الأحياء ؟! بالطبع حدث جدال بينى و بينه انتهى باصرارى على إجراء الأشعة مع تهديد ضمنى بالشكوى لمدير المكتب فى حال عدم تنفيذ طلبى . بس أنا بأحب أتأكد من حبة تفاصيل قبل ما أخلص التقرير علشان الثضية أول مرة أعمل زيها . رد دكتور مدحت بحدة : و مش بتيجى تسألنى و تطلب رآيى ليه ؟ مش اتفقنا لو فى حاجة تبلغنى ؟ و محبتش أزعج حضرتك . و بعدين أنا ملاحظ إن القضية دى خدت من وقتك كتير ، يعنى مش جنايات أو جنح ، و المتهم فيها حد مشهور و لا فيها قلق ؟!! و برضه طريقة تعاملك مع الموظفين فيها عصبية ، و برضه تحاول تكون هادى مع الموظفين لأننا أسرة واحدة ، و عملنا متكامل . كنت فى هذه اللحظة بالفعل قد وصلت لقمة الاحراج و الخجل من نفسى ، و لم يعد بمقدورى النقاش و الحديث ، فما كان منى إلا أن قلت باستسلام : حاضر ، أنا أسف ، رد دكتور مدحت بهدوء : ماتتأسفش ، عاوز أشوف اختراعاتك دى أخرتها إيه . ---- و عدت إلى مكتبى و كلى احباط ، أعترف أننى ربما أسأت التصرف ، و بعد هذا العمر الطويل من العمل فى الطب الشرعى ربما فقد شغفه و حماسه للعمل ، و لكن بالنسبة لى – و مع تلك الأحلام التى أشاهدها كل ليلة – فإن هذه القضية ربما تكون خلاصى من تلك السيدة العجوز التى تطاردنى تؤنبنى كل ليلة لخطأ ربما ارتكبته بغير قصد ، أو ربما لم أرتكبه أصلاً ، لهذا كان ينبغى علىً التعلق بأى شىء من أجل إإنهاء القضية على أكمل وجه أملاً فى الخلاص ! و ما أن رفعتها لأشاهد تفاصيلها حتى اكتشفت أن الصدام و التوبيخ الذى نلته من مدير المكتب لم يذهب هباء ، لقد استحقت هذه الأشعة كل ما عانيته من أجلها حقاً . و لكن ما كشفت عنه الأشعة هو وجود أسنان مازالت لم تبزغ من الفكين ، أى أن الأسنان التى شاهدتها سابقاً وبالفكين كانت بعض الأسنان اللبنية و الأسنان الدائمة ، كان هذا كل ما يمكننى استنتاجه من الهيكل العظمى ، و من باقى محتويات الحرز ، فقمت بإعادة كتابة التقرير و ارساله للنيابة فى ذات اليوم ، و من فرط حماستى لما أنجزته فى القضية قمت بالاتصال بوكيل النيابة المسئول عن القضية ، كما أخبرته أنه فى حالة وجود من يبحث عن فتاة بنفس المواصفات فعليه إرساله إلى المعمل الطبى الرئيسى بالقاهرة لإجراء اختبارات الحامض النووى . بالطبع ، و الذى من شأننه أن يغير مجريات القضية ، و تفرغت عقب ذلك لمباشرة قضاياى العالقة بصورة أسرع ، و نلت إشادة من مدير المكتب ، حتى أننا أصبحنا أقرب إلى الأصدقاء . و بينما كنت جالساً بمكتبى أردى بعض الأعمال ، طرق الباب أحد العمال بالمكتب و أخبرنى أن هناك زائر يسأل عنى ، و لكننى وافقت على مضض على لقاء الزائر الغريب ، و ما هى إلا لحظات حتى دخل رجل فى حوالى منتصف العقد الرابع من العمر ، و قال : السلام عليكم يا دكتور مصطفى . صافحته و رددت عليه قائلاً : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ، أهلاً يا فندم ، ---- لم أكن قد باشرت أية قضايا يوجد طفلة اسمها ( أحلام ) . قال : الطفلة ( أحلام ) اللى حضرتك شلإفت الهيكل العظمى بتاعها ، حيث أننى لم أتابع تطورات القضية منذ أن انتهيت من التقرير و أرسلته للنيابة ، فما كان منى إلا أن قلت : البقاء و الدوام لله ، و ساعدهم فى حل القضية ، فقلت له : لا أبداً ماتقولش كده ، بس يا ترى إيه الجديد فى القضية ؟ بدا و كأننى قد لمست جرحاً أليماً بوجدانه ، و انسابت دمعة من عينيه و هو يقول : و الله يا دكتور مش عارف أقول إيه ، أنا كنت متجوز ، و ( أحلام ) دى بنتى الوحيدة ، و كنت شغال فى الخليج بقى لى فترة ، و اكتشفنا إن عندها سرطان الدم ، لفينا على دكاترة كتير ، و صرفت كل فلوسى على علاجها ، بس أمر الله نفذ ، رجعت ب ( أحلام ) مصر ، ناس معرفة ليا بعد كام شهر رشحهولى واحدة أتجوزها تراعينى و تراعى بنتى ، و قالوا بنت حلال و أهلها طيبين ، و اتفقنا ترجع هى و بنتى يقعدوا فى مصر و أنا أبقى أجيلهم زيارات ، عدت فترة و بعدين لقيتها هى و أخويا بيتصلوا بيا و بيقولوا إن فى ناس خطفوا أحلام ، و طالبين من أخويا فدية مليون جنيه أو هيقتلوها بعد أسبوع ، و حولت الفلوس لأخويا ، و لا سمعنا أى حاجة ، و أخويا عمل محاضر فى كذا قسم و أداهم أوصاف أحلام ، كنت بشوف أحلام فى الحلم ، و أعصابى تعبت . قلبت الدنيا فى كل حتة علشان ألاقى بنتى ، و للأسف ماعرفتش ، جبت واسطة علشان تفتش فى محاضر التغيب بتاعة الأطفال ، و قدمت بلاغ إنى أعمل كشف نسب فى مصلحة الطب الشرعى ، خلال الفترة دى مراتى الجديدة عملت مشاكل معايا لرب السما علشان ازاى أرجع مصر و أسيب حالى و شغلى فى الخليج ، لما عرفت إن بنتى اتقتلت شكيت فى طليقتى ، و إنها خافت البنت تفتن عليها ، و رمى جثتها فى مزرعة مجهولة ، مما جعلنى أقول له بتأثر : حسبى الله و نعم الوكيل ، ربنا المنتقم ، ربنا يصبرك و يعوض عليك . أجابنى باكياً : يعنى أنا غلطان علشان سافرت و سبت بنتى مع واحدة غريبة ؟! و الله العظيم كنت عاوز أعمل قرشين أأمن لها مستقبلها ، و أحميها من غدر الزمن و المرض ، طب أنا ليه يحصلى كل ده ؟! أمها تموت ، و هى تتخطف منى بدرى ! أقسم بالله عمر ما دخل فى فلوسى قرش حرام علشان يحصل لى كل ده . ---- قاومت دموعى بقوة و أنا أواسيه : وحد الله يا أستاذنا ، و انت شخص مؤمن ، و كنت بتجتهد لتوفير حياة كريمة لأسرتك و لبنتك ، دى صورتها و هى عندها 5 سنين ، أخذت الصورة من يديه و تأملتها ، كانت الصورة لفتاة صغيرة قمحية البشرة ملائكية الملامح ذات شعر أسود ناعم ، كانت حقاً أشبه بملاك صغير ، أعدت الصورة إلى والدها و قلت : ربنا يرحمها ، فى الجنة إن شاء الله ، و ربنا يصبرك و يعوض عليك . رد علىً الرجل متسائلاً : معلش يا دكتور ، و لكننى تداركت الأمر و قلت : الله يرحمها ، رد بأسى : أيوة . فى هذه اللحظة دخل موظف للمكتب و أعطانةى قضية جديدة من أجل البدء فيها ، مما دفع والد أحلام للنهوض و الاستعداد للمغادرة قائلاً : ألف شكر يا دكتور على مجهودك و وقتك ، و آسف على إنى عطلتك ، ثم غادر الغرفة مسرعاً حتى قبل أن أرد عليه ، كانت هذه المرة الأولى منذ شهور طويلة التى يدعو لى فيها غريب ما مثل هذه الدعوات ، كنت معتاداً على سماع هذه الدعوات من المرضى و ذويهم عندما كنت طبيب طوارىء ، أما بعد قدومى للطب الشرعى فلم يدع لى أحد إلى الآن ، من قال إذا إن الطب الشرعى عمل بلا مشاعر ؟ ! من قال إن الطبيب الشرعى جاف الأحاسيس ؟ من قال إن العمل مع الموتى و من أجل الموتى بلا فائدة ؟ هل هناك أسمى من أن تتواصل مع من هم تحت التراب ؟ تدافع عنهم و تقاتل من أجلهم و تحزن لمصابهم ؟! ربما مجال الطب كله كذلك ، أن تتألم لآلم الأخرين ، و تسعى من أجلهم ، لا شىء سهل فى الطب ،