وحسبك أن تمر بأيام العرب وما واكب هذه الأيام من المراثي لتقف على صلابة العرب في هذه المواقف التي يخشع لها الناس . قال الدكتور عفيف عبد الرحمن : «شعر الرثاء في مجموعة شعر الأيام هو صورة من الفخر والحماسة في تلك الحروب . ولا نجد في رثائهم من التفجع والتوجع للقتيل إلا ماجاء على ألسنة النوائح أو نسوة القتيل وأهله، وحتى أولئك النسوة كن يتجلدن ولا يظهرن الجزع والحزن، لأن القتيل مات في ساحة الشرف دفاعاً عن قبيلته وعن عرضه وحماه . ولعل ارتباط هلاك القوم بالمنازعات القبلية يجعل الشاعر لا يقنع بالتعبير عن حزنه وأساه ، بل يضيف إلى ذلك التعبير عن شدة سخطه وبالغ حقده على أعداء قومه الذين كانوا سبب هلاكه . ونرى الشاعر لا يلبث أن يخلع رداء الحزن،وأشيع المعاني في الرثاء أن يصوّر الشاعر الفجيعة، وفي نفوس الناس الذين تربطهم بالفقيد رابطة من صداقة أو نسب. وأن يعدد مناقبه كالشجاعة والكرم والنجدة والشرف، وأن يدعو له بالسقيا بعد الموت، كما كان يدعو له بها في الحياة . فإذا دعا له أحس بأنّه ردّ إليه بعض الحياة التي فارقته . وربما وصف الشاعر حزنه ، فإن كان الفقيد قتيلا مضى الشاعر يهدد قتلته ، ويحرّض على إدراك الثار، وإن كان قد لقي الموت حتف أنفه تجلد، والتمس السلوان ومضى يقيس مصابه بمصاب الآخرين.