لقد وقفوا على ديار المحبوبة، وكذلك وصفوا المرأة وصفا حسيا، وامرؤ القيس في وصف معشوقاته. وبرع زهير في وصف الظعينة من خلال رحلة سلكتها الظعائن بوادي الرس، إذ يقول (1) : بكرن بكوراً واستحزن بسحْرَةٍ فهن ووادي الرس كاليد للفم وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم ، وإذا أردت أن تعرف مدى اهتمام الشعراء بالوصف الجسدي للمرأة، فاقرأ أوصاف امرئ القيس لمحبوبته، ووجهها، ويشبه كل جزء من أجزاء جسمها بما يناسبه من مظاهر الطبيعة (3)، وعيونها الكحيلة وذوائبها الطويلة التي أدخلت فيها ريح المسك (5)، ويصف تميم بن أبي بن مقبل مشي النساء و يتغزل في مشيهن باهتزاز النخل إذا حركته ريـح الجنوب، ويشبه كذلك مشيهن باهتزاز الرمح اللدن (1) وفوق ذلك نجد بعض الشعراء من يصف لقاءه بالمرأة (2). أما وصف المحاسن الخلقية المعنوية النفسية، ومكانة الحب العفيف بين الرجل والمرأة فيأتي في المرتبة الثانية بعد الوصف الحسي، وقد فسر بعض الدارسين السبب وراء وجود مثل هذا الشعر بأن الأخلاق العربية قامت على دعائم منها الاعتزاز بالشرف، فكان لابد للرجال والنساء من العفة والتعفف (3) . فإذا كان الشعراء قد اهتموا بالجانب الجسدي الحسي، فإن هذا لا يمنع من وجود شعر يتحدث عن عفة المرأة وأخلاقها، لا تسقط قناعها أثناء مشيها في الطريق، وهذا دليل على حيائها أيضاً، لا تلتفت أثناء سيرها، فضلاً عن أنها كريمة بارة بجيرانها فهي تهدي الغبوق لجارتها في الوقت العصيب الشديد، وهي حريصة على سمعتها لذلك لا يمكن لإنسان أن يلومها على فعل شيء، وإن تحدثت كان حديثها حيياً قصيراً، وهي ترعى زوجها وتحافظ عليه وعلى بيته إذا غاب، وإذا عاد مطمئناً لذلك فهو لا يسأل الحي عن أخبارها لأنه واثق بها وبعفافها وحيائها، ويصوّر ذلك في لوحة فنية. إذ يقول (4): لقد أعجبتني لا سقوطا قِنَاعُهَا إذا ما مشت ولا بذاتِ تَلَفت تبيت بعيد النوم تهدي غبوقها لجاراتها إذا الهديـــــة قلـــــــت نجل بمنجاة عن اللوم بيتها إذا ما بيوت بالمذمة حُلَّتِ كان لها في الأرض نسياً تقصه على أمها وإن تكلمك تبلت أميمة لا يُخزى نثاهَا حَليلها إذا ذكر النسوانُ عَفْتْ وَجَلَّتِ إذا هو أمسى آب قُرَّةَ عينه مآب السعيد لم يَسَل أَيْنَ ظَلَّتِ ثم يصف جمالها الجسدي بمنتهى العفة والنقاء في بيت واحد وهو قوله: فدقت وَجَلَّتْ واسْبَكَرت وأكملت فلو جُنَّ إنسان من الحسن جُنَّتِ ولا شك في أن هذه اللوحة هي أدق صورة وأروع وصف للمرأة العفيفة، وهذا ما جعل الدكتور يوسف خليف يعد مقدمة هذه القصيدة بأنها أروع ما وصل إلينا من شعر يصف جمال المرأة المعنوي (1). ونستطيع أن نخرج بعد قراءة القصيدة السابقة بنتيجة خلاصتها: أن الشعراء قد يصفون المرأة وصفاً معنوياً وحسياً في قصيدة واحدة، كما لاحظنا في قصيدة الشنفرى، وهذا ما نجده في قصيدة للمرقش الأصغر فبعد أن يصف المرأة وثغرها الجميل الطيب، نراه يصفها بصفات عفيفة فهو يمتدح شرفها وخلقها لكونها لا تعرف الفواحش أو العيب، فيقول (2): في كل مُمْسى لها مِقْطَرة فيها كباءٌ مُعَد وحميم لا تصطلي النار بالليل ولا توقظ للزَّادِ بلهاء تؤوم وهناك لون من الغزل العفيف يتحدث فيه الشاعر عن حبه لمحبوبته، ويتألم من هذا الحب والعشق دون أن يصف أعضاء جسدها، كما في قول قيس بن الحدادية في قصيدته العينية الطويلة، تبخل عليه بما يريد، أي أنها عفيفة في صلتها معه، فعلى الرغم من هذه الشكوى من بخل الحبيبة إلا أنها شكوى محببة إلى نفس الشاعر، فيقول (1): أجدك إن نعم نأت أنت جَازِعُ قَدِ اقْتَربت لَوْ أَنَّ ذلك نافع وقد اقتربت لَوْ أَنَّ فِي قُرْبِ دَارِهَا جداء ولكن كلُّ مَنْ صَنَّ مَانِعُ وقد جاورتنا في شهور كثيرة فما تولت واللَّهُ رَاءٍ وَسَامِعُ صنو هذه الصورة قول مالك بن حريم في محبوبته (سلمى) التي أحبها حباً شديداً، ولكنه على الرغم من ذلك لم يأخذ منها شيئاً، وهذا يدل على عفتها وحرصها على المحافظة على سمعتها، فيقول (2): فهي تضن عليه بما يريد، ونلاحظ أنه يصفها بالتقلب، وهذه الصفة دلالة على عفة المرأة كما يبدو، فيقول (3) : ألا إِنَّ هِنْداً أَمْس رَبَّ جَديدُهَا وضَنَّتْ وما كان المتاعُ يَؤُودُهَا فلو أنها من قبل دَامَتْ لُبَانةً على العَهْدِ إِذ تَصْطَادُنِي وَأَصِيدُهَا ولكنها مما تميط بوُدِّهِ بَشَاشَةُ أَدْنَى خُلَّةٍ يَسْتَفِيدُها وقد يعبر الشاعر عن حزنه لفراق المحبوبة دون الخوض في الجانب الحسي على نحو ما يلقانا لبيد بن ربيعة في حديثة عن «نوار» إذ حالت بينهما الفيافي والجبال فنسمعه يقول (1): بل ما تذكر من نوار، وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها (2) مرية حلت بفيد وجاورت أهل الحجاز،