ثالثا: الفكر الإسلامي والنظريات الثيوقراطية: إذا كانت المسيحية قد فصلت بين حقق صلة وثيقة تشد الدولة إلى الدين لأنه يجمع في قواعده بين الشؤون المادية الحياتية والأحكام التعبدية الدينية، لذلك قام الإسلام على أساس رئاسة عامة في أمور الدين وشؤون الدنيا؛ ليسايره في نفس التوجه الفقيه أبي الحسن الماوردي حينما أشار في مقدمة كتابه "الأحكام السلطانية" قائلا: "أما بعد، إن الإشكالية المركزية التي شغلت بداية التاريخ السياسي الإسلامي هي مسألة خلافة الرسول "ص" على رأس الدولة الإسلامية الناشئة فعقب وفاة الرسول "ص" بزغت تنافسات سياسية بين المهاجرين والأنصار وما دار في سقيفة بن ساعدة من نقاشات بعد بيعة سعد بن عبادة من طرف الأوس والخزرج ورفض المهاجرين لهذه البيعة إلا دليل على أن مسألة الخلافة كان ينظر إليها من طرف الجميع كمسألة وراثية؛ ثم انتقلت بعد موت هذا الأخير إلى عمر بن الخطاب، أي إلى بطن آخر من بطون قريش، وبني أمية ممثلين شخص في عثمان بن عفان، فأمست الخلافة قضية إرثية يطرح معها سؤال مركزي من هي العشيرة القبلية التي تتوفر على العصبية والقوة اللازمتين لسيادتها على جهاز الدولة الإسلامية؟ وما هو مضمون الخلافة؟ وما هي أسسها وشروط تحققها؟ لمة إجماع من قبل فقهاء الفكر الإسلامي على ضرورة وجود مؤسسة الخلافة باعتبارها المؤسسة العليا المنوطة لها تدبير الحاضرة الإسلامية: فالخليفة يجسد مواصفات التلاحم والتضامن بين أفراد الأمة الإسلامية، إلى جانب كونه المكلف بتدبير شؤون المسلمين في حياتهم الدنيوية، والخلافة تتم بواسطة عقد البيعة الذي ينظر إليه الفكر السياسي الإسلامي على أنه عقد بين طرفين: المرشح للمنصب من جهة وأهل الحل والعقد من جهة ثانية"، فهي عقد وكالة بين أفراد الأمة وولي الأمر، إقامة العدل وتحقيق السلام، والسلامة الجسدية والذهنية خامسها، لأن الهدف من السياسة في نظر الغزالي هو ممارسة التعبد. فيما وظف صاحب كتاب "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" كلمة "العدالة". إن مفهوم الورع هو تطبيق فعلي لكلمة العدالة التي لا يفيد معناها الغربي المعنى الموظف في الفكر السياسي الإسلامي؛ - حماية البيضة ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال - إقامة الحدود التصان محارم الله تعالى عن الإنتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة وتوكل إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بأمناء محفوظة - أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلا بلدة أو عبادة، أما الطرف الثاني المكون للبيعة فيتمثل في أهل الحل والعقد المتجسد في العلماء والأعيان الكبار للدولة الذين تقع عليهم المعرفة العينية والشخصية للإمام بحيث يبقون المترجمين الحقيقيين لضمير الأمة ورغباتها. ويكرس ضرورة حضور أهل الحل والعقد الفقيه الشافعي "النووي" حينما أشار على أن الإمامة لا يمكن عقدها بدون قبول صريح من قبل أهل الحل والعقد،