كانت الليلة تميل إلى الدفء وأنا أعبر الممشى المشجر المؤدى إلى مسكن عميد الأدب. فلف الحى هدوء طارىء فوق هدوئه الطبيعي وعند منحدر الطريق لمحت على البعد مصباحا ساهرا على باب الدكتور طه كأنما ليرشد الضيوف . على الطريق الذي ظللته الأشجار . وكنت أحدث نفسى مقدما عما سأقوله له . منهما أنه جزء في ( محيط الحقائق ) . وقبل أن أصل إلى باب الدكتور طه عبرت إلى ذهني خاطرة من كتاب الأيامهى كلمات أعرفها . فى نبرات لا أعرفها لكنني حاولت أنأجعل نيرة المتحدث بهذه الكلمات قريبة جدا من نبرات طه حسين - ولو أن ذلك كان في خريف سنة ١٩٠٢ ، في القرية بنبرة لا شك أنها قريبة من نبرة الدكتور طه : و أما في هذه المرة فستذهب إلى القاهرة مع أخيك ستصبح مجاورا وستجتهد في طلب العلم . وأنا أرجو أن أعيش حتى أرى أخاك قاضيا وأراك من علماء الأزهر قد جلست إلى أحد أعمدته ومن حولك حلقة واسعة بعيدة المدى ) . وفي هذه اللحظة كنت قد وصلت إلى باب الفيلا فابتسمت الخواطرى . وتصورت ( الحلقة البعيدة المدى ) التي تحققت لطه حسين . حسين . ولم أدق الجرس ليفتح لى الباب الثاني بل وقفت برهة أتأمل الليل والأشجار الحانية على المبنى فى وداعة . الحقيقة مصدر الحركة بالنسبة لساكن الفيلا . و لم يكن الدكتور طه في قاعة المكتبة حين دخلت ( كما تعودنا أن نلقاه ) كان لا يزال مشغولا مع أحد الصحفيين الأجانب . وجلست مع سكرتيره الأستاذ فريد شحاته نتكلم في شئون الأدب والتاريخ . أنا في دائرة ضوء إحدى : الأباجورات و الكبيرة التي توجد في قاعة المكتبة وأمامي أوراقى وقهوة . ثم نهضت لأسلم على طه حسين . دخل مؤلف ( الأيام ) وعلى فمه ابتسامة لم تستطع الأيام أن تسلبها خصائصها . هذه الليلة فقلت له وأنا محرج بعض الشيء : أرجوك يا سيدى عندما تضيق بوجودى أن تسمح لى فضحك في سماحة وقال لى : تأكد أنني لن أضيق بوجودك مهما يطل . بالأسئلة . هذا كل ما في الأمر . عندئذ سألته السؤال الأول . قلت : إن قصة الأيام من القصص التي استولت على قلبي . قرأتها وأنا في مقتبل شبابى تحت مصباح الجاز فى حى وطني . وأنا أعتبرها من أهم أعمالك الأدبية . الإرهاصات التي سبقت هذا العمل ؟ كان القلم فى يدى مستعدا للكتابة . وكنت أرقب الدكتور طه الذي ظننته سيصمت طويلا قبل الإجابة . لأن استعادة الماضي أحيانا تتطلبتجمعا ووثوبا . لكن إشارة بدء الحديث لمعت على فمه . أمل أخص خصائص كتاب ( الأيام ) أنه كتب للهرب من الحياة الواقعة ، تصور أنني كتبته هربا من الحياة الواقعة A كنت حينئذ في فرنسا . وساق ودخلت أزمته إلى البرلمان وهدد عدلى بالاستقالة . كل هذا أصابني بضيق شديد جعلني أفزع إلى الماضي . فأخذت في إملاء الجزء الأول من الكتاب وأنا في الخارج . وذهبت إلى غرفة رئيس النيابة . إنني لا أزال أذكر لقبه فهو من عائلة نور المشهورة ووجدت في القاعة عددا ضخما من علماء الأزهر جاءوا ليناقشونى في الموضوع أمام رئيس النيابة بناء على دعوته إياهم وأذكر أن النقاش امتد بيننا طويلا حتى تعبوا . وعندئذ قال أحد العلماء لرئيس النيابة : يا صاحب السعادة : ليس عندى ما أقوله في هذا المقام إلا ما قاله حزم في الأشعرى : ( الأشعرى كافر حلال الدم ) ابن . وهذا دم ضيعه أهله )غير أن الجدل استمر بعد ذلك طويلا حتى صاح الشيخ الإبياري فجأة من شدة الصداع وهو يضع كفيه على صدغية . السعادة . اطلب لى فنجالا من القهوة . جديدا ثم قال لى : ومن الغريب أننى أمليت الجزء الثاني في فرنسا وأنا في أزمة كذلك . وكنت وقتئذ عميدا لكلية الآداب وحدث نزاع بيني وبين الحكومة بسبب كتاب لبرناردشو كان يدرس في الكلية رأت الحكومة فيه شيئا لا يرضيها . وكان وزير المعارف فى ذلك الوقت هو المرحوم الدكتور هيكل في وزارة محمد محمود . وفوجئت بمظاهرة تعبر إلى حجرتي كانت مؤلفة من طلبة كلية الحقوق كلفوا بالهجوم على . عندئذ رأيت أنه لا مفر من الاستقالة . قلت للدكتور طه : . أليس من الغريب أن يكون الهروب من الحياة الواقعية سببا في أن تكتب للأدب العربي قصة واقعية ؟ نعم . هذا غريب . قلت في نفسي : ( إن الأزمة قد تخلق البطل وتمنح المعجزة )وكانت خواطرى أو جزء منها مع فنان بعيد منح الأدب العالمى كثيرا مما منح نتيجة لأزماته . دستويفسكي الذي قال لدائنيه وهم يطرقون عليه الباب وهو يكتب : ( إننى مدين لكم بأكثر من المال ، يدفعونه إلى الكتابة . ثم قلت لعميد الأدب وأنا أنظر إليه وكأني أنظر إلى أحد المحاربين العقاد . والأسلحة والأغراض . وقد رفعتم لواء هذه المعركة فى أوائل هذا القرن . قال الدكتور طه : كنت مشرفا على صفحة أدب في جريدة السياسة . وكانت الأمور تمشى عادية جدا حتى جاء مقال بعنوان : رسالة عتاب إلى صديق ، الرافعي . وأقول لك الحق : إنني قرأت الرسالة بإمعان شديد فضقت بها أشد الضيق . ثم عدت فقرأتها فاشتد ضيقي . الذي كتبت به هذه الرسالة أصبح لا يلائم روح العصر . لكوكانت خواطرى أو جزء منها مع فنان بعيد منح الأدب العالمى كثيرا مما منح نتيجة لأزماته . دستويفسكي الذي قال لدائنيه وهم يطرقون عليه الباب وهو يكتب : ( إننى مدين لكم بأكثر من المال ، يدفعونه إلى الكتابة . ثم قلت لعميد الأدب وأنا أنظر إليه وكأني أنظر إلى أحد المحاربين العقاد . والأسلحة والأغراض . وقد رفعتم لواء هذه المعركة فى أوائل هذا القرن . قال الدكتور طه : كنت مشرفا على صفحة أدب في جريدة السياسة . وكانت الأمور تمشى عادية جدا حتى جاء مقال بعنوان : رسالة عتاب إلى صديق ، الرافعي . وأقول لك الحق : إنني قرأت الرسالة بإمعان شديد فضقت بها أشد الضيق . ثم عدت فقرأتها فاشتد ضيقي . الذي كتبت به هذه الرسالة أصبح لا يلائم روح العصر . لكوالثانية كانوا مثقفين ثقافة واسعة متنوعة عميقة . وكانوا يكثرون من القراءة . ثم عرض الدكتور طه لعدة صور للموضوع : صورة المعاداة للآداب العالمية . أما معاداة الآداب العالمية فليس لها معنى إلا أن نعيش على ( نفسنا ) حتى نزوى ونموت . وأما لغة الأدب كتابة وترجمة فقد كثر فيها الحديث . لكنه يحضرني عنوان كتبه في الجمهورية نعمان عاشور وهو ( لغة المسرح من تانىوهذا يذكرني بترجمة شكسبير للعامية التي كان نعمان عاشور ينوى تنفيذها . وعندما تنادى( ديدمونة( عطيل ) فإنها ستقول له : ( يا عطول ) ) . وضحك الدكتور طه ثم استطرد : صدقني إنهم يظلمون الشعب . إن هذا الشعب يحب كل الحب أن يقرأ العربية الفصحى وأن يسمع العربية الفصحى . صدقني أنه شعب عميق التذوق ، والتحدث إليهم بالفصحى يرفعهم في أنفسهم . أنني عندما كنت أتحدث في الراديو بالفصحى كانت رسائل الاستحسان والاسترادة لا تنقطع عنى . قلت لعميد الأدب : الأدبية التي تتتابع على أدبنا كلها من بلاد أجنبية تصل إلينا نعم أو زوالها . وبعد ، أحدث المدارس القصصية ؟ فقال الدكتور طه : لا ، مطلقا ، لا ترفض القصة من أى مدرسة أدبية . العامية . والحرص على هذا الواقع منقول إلينا من روسيا بلا اتهام . الحق بل هو لا يستسيغ الاتهام . - وهناك دليل آخر على ما أقول : هو أن كل الكتب في روسيا مكتوبة باللغة الروسية العالية . وفى فرنسا أيضا . واحد أو اثنان أرادوا أن يكتبوا الأدب باللغة الدارجة وبذلوا محاولة بعدأخرى لكنهم فشلوا و لم تنجح محاولاتهم . وجرنا ذكر المدارس الأدبية إلى سؤال أكثر أهمية كنت أكتم في نفسي بعض الحرج من التوجه به إلى طه حسين لكنني قلت : هل الشخصية الأدبية العربية لم تصل بعد إلى حد النضج الذي يمكنها من إرساء مدرسة عربية مستقلة كالرومانسية والواقعية التي وردت فقال عميد الأدب : السر فى ذلك هو أننا نتعلم الفصحى ولا نتكلمها . خذ مثلا لذلك :. الشعر . نحن نعرف الجاهليين في شعرهم ونعرف أوزانه كذلك لكن من المؤكد أنه فى صدر الإسلام والعصر الأموى دخلت الحضارة إلى الحجاز ودخل الأسرى الأجانب والموسيقى والغناء ، فنشأت في الشعر العربى أشياء جديدة . فقد ابتكر الشعر بحورا أخف من بحور الشعر الجاهلى أوزانها قصيرة تتواءم مع التوقيع الموسيقى وعرفت ( المجزوءات ) وقس على ذلك ما حدث فى العصر العباسي ، ولما اشتد الخلاف بين العرب وغيرهم تأثر الشعر بهذا فاندفعوا في التجديد . مال كل شيء إلى الخفة . والتجديد فى المعانى أمره مشهور عند أبي نواس . والتجديد في الأوزان أمره مشهور عند مسلم بن الوليد. العربي أخذ عنده هذه الصورة : محمد بن منصور الفتى الجواد 9 وضحك طه حسين قبل أن يقول : تصور أننا لا نتكلم الفصحى حتى لو جلست أنا والعقاد . ثم بدا عليه الارتياح وقال : ولكن . مع ذلك يخيل إلى أننا وصلنا إلى جديد وهو تبرئة الأسلوب العربي من السجع والبديع حتى أصبحنا نكتب بسهولة . ببساطة يفهمها الشعب . لا . أكثر . كم عدد الطبعات يا فريد . نعم . تمام . ثمان وعشرون طبعة طبع . حجرات المسكن إلا في حجرته حتى كانت أمه تضطر في بعض الليالي المغادرة حجرتها لتطفىء عليه النور لكى ينام . وأذكر أنني قلت لمدير المدرسة التي يتعلم فيها : أرجوكم أن تخففوا عنه من القراءة شيئا ما . الغيظ وقال لي . هل تستطيع يا أبي أن تتحمل هذا ؟ في الصباح أقرأ فى المدرسة أكتب موضوع إنشاء عربى عن مناقشة بين الحجر والمسمار ؟! وابتسمنا معا - الدكتور طه وأنا - ونحن واثقان أن كل شيء يتغير إنها لم تتغير بل إنها تتطور . ثم استطرد يؤكد كل كلمة ينطق بها كأنما يخاف على أن أنسى : الأديب مسئول عما يكتب من جهة ومسئول عن أن يكون ما يكتبه هادفا إلى أن يرقى بالجماعة من جهة أخرى . وتلك أخف مسئولياته لأن المسئولية الكبرى هي أن يعرف أنه يجب أن يكتب ليرفع الجماعة لا لينحط بها . فأجاب الدكتور طه : لم يؤد النقد العربي دوره حتى الآن . لماذا ياسيدي ؟! الجواب ليس عندى . بل الجواب في الكتب والصحف والمجلات التي وجدت بين الحربين . فإن شئت فارجع إلى ما كان يكتب فيها . واقرأ ما يكتب الآن وأنا لا أشك فى أنك ستجد الفرق هائلا . يوصف به النقد في الفترة التي أعنيها أنه كان فوق الاعتبارات الشخصية وأذكر أن كتابا ظهر للعقاد في تلك الفترة وكان العقاد يكتب فى صحف الوفد فأثنيت عليه أنا في الصحيفة التي أكتب فيها و لم تكن صحيفة وفدية . وغضبوا منى يومئذ لكنني لم أبال . لأن النقد الأدبى فى رأيى يجب أن يكون فوق كل اعتبار . و من النقاد الذين شاركوا فى النقد الأصيل في هذه الفترة العقاد والمازنيقلت : وعلى ذكر النقد والنقاد أحب أن أسأل سيادتكم : هل تفضل أن يستقل الأديب العربي بنوع أدبى واحد فيكون قصاصا أو شاعرا أو ناقدا أو تفضل العكس ؟ أنا أفضل أن تقولوا : و كاتب وقصاصأوكاتب وشاعر ) وسأذكر لك شيئا من القديم وشيئا من الجديد في الإجابة عن هذا أما القديم ، فقد قال المبرد مؤلف الكامل في كتابه : الأديب باب نذكر فيه من كل شيء شيئا ) . فقال : إنه من يأخذ بطرف من كل ألوان المعرفة . أما الجديد : فالكتب القليلة التي ظهرت في النقد وفي الأدب الإنجليزي تعصب وليس هناك شيء يدعو إلى التعصب إلا الجهل إن قواعد النقد عندى كلام فارغ . خذ القصة مثلا ، فنحن عندما نقرؤها نسأل أول ما نسأل ما أثر هذهالقصة بالقياس إلى الذوق ؟ ثم . جهة الواقع أو من جهة اللغة أو غير ذلك ؟ وهذا هو الواقع عند كبار النقاد الفرنسيين . فهم لا يعرفون قواعد النقد . الخاصة من جهة أخرى . أما ما يسمى بقواعد النقد فسيكون مصيره مصير كتاب الخطابة وكتاب الشعر لأرسطو طاليس . كتاب الخطابة . راح . الشعر . راح . هذا ما أعرفه . وسكت طه حسين وعلى محياه دلائل انتظار لسؤال آخر . لكنني أدركت أنني قضيت ساعتين كاملتين وأنا أستمتع بحديثه . وكانت نوازع الاستزادة تملأ نفسى . لكن وهج المدفأة الكهربائية القريبة من المكتب ذكرني أننا فى الشتاء . وجهودهم على الناس ألا نثقل عليهم . وخرجت وأنا أذكر قوله عن الأدب والأديب : إن الأدب حاجة تضطر الأديب إلى الحركة فيتحرك ، الوقت للتفكير فيها في يوم من الأيام حين تصبح أمرا مقضيا لا منصرف عنه ولا سبيل إلى التخلص منه ) وتوقفت وأنا لا أزال على مقربة من الباب حتى خيل إلى أن أرجع الأسأل الدكتور طه عن معنى هذا . الجماعة لا لينحط بها ) .