يَرَى بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ أَنَّ العِلْمَ العَرَبِي تَقَيَّدَ بِالنَّقْلِ وَالتَّقْلِيدِ وَاقْتَصَرَ عَمَلُ العُلَمَاءِ الْعَرَبِ عَلَى حِفْظِ أَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ. إِنَّهُمْ كَانُوا يُحِلُّونَ مَصَابِرَهُمْ الَّتِي مِنْ مَنَاهِلِهَا كَرَعُوا مبادئ العُلوم وَأَصُولَهَا، وَكَانُوا يُقَدِّرُونَ لِلعَلَمَاءِ مَا قَامُوا بِهِ مِنْ جهود لاستِقْراءِ مَا تَجَمَعَ لَدَيْهِمْ فِي مَيْدَانِ المَعَارِفِ، وَيُنَوِّهُونَ بِمَا تَحَلَّوْا بِهِ مِنْ رُوحٍ عِلْمِيَّةٍ زَكِيَّةٍ نَزِيهَةٍ. وَلَكِنَّ عُلَمَاءَ العَرَبِ اعْتَبَرُوا هَذِهِ الخِصَالَ بالذَّاتِ لَهُمْ أَسَاسًا، فَأَلْزَمُوا النَّفْسَ بِاسْتِقْرَاءِ الكَائِنَاتِ وَتَعَقّب أحْوَالهَا، وَالبَحْثِ عَمَّا يَلُوحُ بَيْنَهَا مِنَ الأمور المطردة التي لا تختلفُ ولا تتغير . . فَمَا ثَبَتَ لَدَيْهِمْ بِالخِبْرَةِ لَا الخَبَرِ 10 وَصَحْ عِندَهم بالمشاهدة وَالنَّظَرِ ادْخُرُوهُ كَنْزًا سريا . والمشاهدَةِ الحِسّيّة في المنفعة والماهية. ويَقُولُ ابن الهيثم كذلك: «الحق مطلوب لذاته، وكُلَّ مَطْلُوب لذاته فَلَيْس يعني طالبه غير وجوده. فَطَالِبُ الحَقِّ لَيْسَ هُوَ النَّاظِرُ فِي كُتب المتقدمين المسترسل مع طبعه في حُسْنِ الظَّنِّ بهم، بَلْ طَالِبُ الحَقِّ هُوَ اللَّهِمُ لِظَنِّهِ فِيهِمْ 15 المُتَوقِفُ فيما يفهَمُه عَنْهُمْ التَّبِعُ الحُجَّة والبُرْهَانَ، لَا قَوْلَ القَائِلِ الَّذِي هُوَ إِنسَانُ المخصوص في جبلتِهِ بِضُرُوبِ الخَلَلِ والنَّقْصَانِ» . أَلَمْ يَكُنْ مَوقِفُ العِلم العَرَبِيّ هُوَ مَوْقِفُ العَالَمِ الحَدِيثِ ذَاتُه مِنذُ أَنْ جَعَلَ بَيْكُنْ» وَدِيكَارِتْ الشَّكَ بَيْنَ قَدَمَيْ الحَقيقةِ؟ وصَارَ السّؤالُ المُهِمْ إِذَنْ يَتَعلَقُ بِمَا صَنَعَ عُلَمَاءُ العَرَبِ بِمَا اعْتَمَدُوا مِنْ أصُولِ وَمَصَادِرَ، وَبِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي أَلْفُوا بَيْنَ