وتوضيح آيات القرآن فما اتصل بالقرآن من علوم كان أولها ظهورًا وما ابتعد عنه كان من آخرها وليس من شيء أكثر صلة به من محاولة فهمه بإدراك غريبه ومشكله، فتفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب . اجتمعت هذه العوامل جميعًا فأثمرت الدراسات اللغوية. العلماء إذا يضعون القواعد التي تضبط اللغة، والتي تعين على فهمها وآدائها للمعاني، 1- فعني المسلمون منذ القرن الأول الهجرة بتدقيق الكتابة العربية وتقييد "الحروف الكتابية" بـ "الشكل" صونا لكلام الله -عز وجل- عن أن يصيبه التحريف. 2- وفي هذا الوقت بدأت المحاولات وتوالت للكشف عن القواعد التي يسير عليها الكلام العربي، ولوضع هذه القواعد في قوالب تتخذ للتعليم. ويبرز في هذه المحاولات اسم أبي الأسود الدؤلي، ومن وليه من نحاة البصرة والكوفة إلى أن يأتي الخليل بن أحمد الفراهيدي. وللخليل شأن جليل في كثير من جوانب الدراسات اللغوية، وخطا بالمحاولات النحوية والصرفية السابقة خطوات كبارًا تبدو آثارها في كتاب تلميذه سيبويه ووضع -أو الأرجح أنه أوحى بطريقة وضع- أول معجم شامل لمفردات العربية وهو المعروف بـ"العين" وقد شارك الخليل في وصف أصوات اللغة العربية ثم أتى تلميذه سيبويه بوصف لها أدق من وصفه وأكمل. 3- ثم كان كتاب سيبويه أقدم كتاب وصلنا في النحو العربي والذي اتخذ أساسًا لما وليه من دراسات نحوية ، فقد كان مزيجًا من النحو والصرف واللغة والأدب وما إلى ذلك من علوم اللغة العربية؛ فكان الأديب حينذاك نحويًّا صرفيًّا لغويًّا، فكان البحث في النحو في الأدوار الأولى للثقافة العربية ممتزجًا باللغة والأدب، ويقول الشيخ محمد الطنطاوي: "نعم قد تقلص عن كتب النحو من أوائل هذا الطور -الطور الثاني- ما لا يتصل به هذا الاتصال الوثيق كمباحث اللغة والأدب والأخبار على أن الخليل وهو غرة جبين هذا الطور قد جمع اللغة والنحو فإنه ذكر في كتاب العين مقدارًا كبيرًا من النحو بجانب اللغة" . 4- وكانت عناية علماء العربية بمفردات الكلام العربي -وكانوا يسمون هذا "علم اللغة"- عناية بالغة منذ القرن الأول للهجرة وظلت هذه العناية متواصلة، وعني العرب من قديم ببيان الكلمات الأعجمية الأصل الدخيلة على الكلام العربي، ونصوا على ما في لغة القرآن الكريم من الأعجمي، ولهم في "المعرب" تصانيف كثيرة من أشهرها كتاب المعرب للجواليقي، ومن عنايتهم بمفردات اللغة تأليفهم في مصطلح العلوم والفنون . ثم بلغ التأليف اللغوي القمة عندما صنف العلماء المعجمات التي تشمل أكبر عدد من مفردات اللغة على ترتيب خاص مصحوبة بشرح المعنى، 5- وعني علماء العربية بالبحث في أسباب فصاحة "الكلمة" وبلاغة الكلام إلخ. وقد اتصلت البلاغة بالمنطق كما اتصل النحو به أيضًا ولذلك أصابها العقم لما غلبه عليها الاتجاه المنطقي الفلسفي .