قد خص الله تعالى العشر الأواخر من رمضان بمزايا لا توجد في غيرها، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال لم يكن يفعلها في غيرها. فمن ذلك: أولا: كثرة الاجتهاد: فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم. وكان يحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم. فكان عليه الصلاة والسلام يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذكر، حرصا على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، وشد المئزر هو كناية عن ترك الجماع واعتزال النساء، ثانيا الاعتكاف: ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قبض. (الفتح 4/341). والأصل أنه عزوف عن الدنيا وانقطاع للعبادة وتخلية للنفس عن التشاغل بغير الطاعات والقربات، فلا ينبغي أن يشتغل بشيء يفوت عليه قصده. ولا يجعلن معتكفه مقصداً للزوار الذين يفسدون عليه خلوته وجواره، ثالثا: اغتنام جميع الوقت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: وأيكم مثلي! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) متفق عليه. وليس الطعام والشراب الحِسي. وإنما نهاهم عن الوصال حتى لا يضعفوا عن العبادة والاجتهاد في الطاعة، رابعا: تحري ليلة القدر هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: {ليلة القدر خير من ألف شهر}(القدر:3). ليلة انطلاق الإسلام ونزول القران، وسلامة القلوب والنفوس، وسلامة العلاقات بين الناس {سلام هي حتى مطلع الفجر}(القدر:5). ومن كان عاجزاً مفرطاً، فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهي في الأوتار أرجى وآكد، وهي في السبع الأواخر أرجى من غيرها، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، ثم هي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، وأن يتعرَّضوا لنفحات الرب الكريم المنان، عسى أن تصيبكم نفحة من نفحاته لا يشقى العبد بعدها أبداً. وإذا كان دعاء ليلة القدر مقبولا مسموعا مستجابا فعلى العبد أن يكثر من الدعاء والتضرع وسؤال خير الدنيا والآخرة، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه أحمد وغيره. فاستدركوا في آخر شهركم ما فاتكم من أوله، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. واغتنموا ما فيه من الخير الوفير، فإن المغبون حقا من صرف عن طاعة الرب،