ويعنون بها أن يبدي الإنسان رأيه وما يعتقد أنه الحق مهما ظن الناس به أو تقولوا عليه من غضب عظيم أو أمير، لا يخاف من تحمل ألم يصيبه في سبيل قول حق يقوله أو مبدا هام پنشره، فلو رأى في مسألة غير ما يراه علماء وقته أو من حوله من الناس، ويرفض العمل بما لا يراه صواباً ولو لم يقع رفضه موقعاً حسناً. والتاريخ مملوء بكثير من الناس الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل قول الحق ونصرته، وصبروا على الآلام عشقاً للحق و هياماً به، واستعذبوا طعم الرزايا وهي تنزل بهم، ومنهم الأنبياء والمرسلون والشهداء ونوابغ العلماء، فقد أوذوا في الحق فتحملوا الأذى، كالذي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء إليه عمه أبو طالب ينصحه بالعدول عن دعوة الناس فقال له : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه، فلما بلغ من السبعين اتهم بأنه يجحد آلهة اليونان، فحكم عليه بالإعدام 399 ق. م وكان في استطاعته أن ينجو بنفسه إذا هو تعهد أن ينقطع عن التعليم و لكنه أصر على قول الحق و أضاع نفسه. وفي تاريخ العرب كثير من أمثال ذلك : فابن رشد الفيلسوف الشهير المتوفى سنة 595 اضطهد من أجل اشتغاله بالفلسفة وسجن ونفي فلم يعبأ بذلك كله. وابن تيمية أحد الفقهاء المشهورين المتوفي سنة 728هـ أداه اجتهاده إلى مخالفة فقها عصره في بعض المسائل فوشوا به إلى السلطان فسجنه، فظل يكتب الرسائل في ؤيد بها مذهبه ويدحض بها حجج معارضيه. ورأى به كلف الشمس، وكان يعلم أن الأرض تدور حول الشمس مخالفاً لتعاليم بطليموس القائلة بأن الأرض هي مركز الكون، فاضطهده من أجل ذلك بعض القسيسين وأمروه بالكف عن تعاليمه، فلم يستطع الصبر عن الحق فاخذ وسجن وعذب كثيرا من أجل تعاليم يعرفها كل تلاميذ المدارس اليوم. وقد سجن من أجل أقواله هذه وعذب عذاباً شديداً استمر في الحبس خمساً وعشرين سنة ثم أفرج عنه. ثم يتحمل المتاعب في سبيل إصلاحه؛ و كمن يرى الأطفال الذين لم يتجاوزوا العاشرة يعملون في المعامل ساعات طويلة في أماكن غير صحية بأجر قليل، فيشبون ضعفاء جهلاء يقسون على من دونهم كما قسي عليهم، أو يرى أولاد الشوارع ينشأون و لا علم ولا عمل فيكونون بعد مجرمين يعبثون بالأمن ويعيثون في الأرض فساداً.