وكنا نسكن سوية في رواق دارفور بالأزهر الشريف في القاهرة في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وكنت طالبا بكلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر، فكنا نجلس أليه وزملائي، وكنا نتمنى لو نستطيع تدوين كل كلمة ينطقها، أهمية إلتزام الأديب بنظرية فلسفية توجه منهجه في الإبداع، بعضا من المعارك الأدبية لجماعة الديوان (عباس محمود العقاد، التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين من جهة، وجماعة مدرسة أبولو، بزعامة (احمد زكي أبي شادي واحمد شوقي وخليل مطران ومصطفي صادق الرافعي، حيث دارت سجالات المجموعتين في النقد الأدبي، وفي الشعرعلى وجه الخصوص. فقد كان ديوانيا بمعنى الكلمة، ويقول أن منطوق النظرية الفلسفية التي يلتزم بها الديوانيون، هو أن ( كل حر جميل وكل جميل حر)، وكان يرى أنه لابد أن يكون هذا المفهوم في ذهنية المبدع، وواعيا مجال ومسرح تجواله الفكري وإنطلاقه الذهني، ويقول أن الديوان بهذه النظرة البارعة، لأن فلاسفة الغرب في أفضل حالاتهم، وترى جماعة الديوان، هوالأفضل من بين فلاسفة الغرب في هذا الجانب، حيث أنه كاد أن يصل الى النظرية الصائبة في مسألة الجمال، ترى جماعة الديوان بأن القضية أكبر من ما توصل إليه شوبنهور بكثير، حيث أن فكرة الجماد جميلة، لكن فكرة النبات أجمل من فكرة الجماد، وفكرة الحيوان أكثر جمالا من الفكرتين السابقتين، ثم تأتي فكرة الإنسان كذروة جمالية في كل تلك الأفكار. فما هي الميزة التي تفاضل جمال الأفكار السابقة بعضها من بعض؟ لأن الحقيقة أن فكرة الجماد جميلة، وفكرة النبات أجمل من فكرة الجماد لأن النبات تحرر من قيد الجاذبية وإرتفع إلى الأعلى، وفكرة الحيوان أجمل من فكرة النبات، لأنها تحررت من قانون الجاذبية وإرتفعت إلى الأعلى ثم تحركت بحرية في كل أتجاه، ثم تأتي فكرة الأنسان التي بعد التحرر من قيود الجاذبية وإنعدام الحركة والقدرة، على التجول كذلك تحررت من قيود إنعدام الوعي وإرترفعت بقدرة العقل فوق الكثير من القيود، وهكذا كلما تحررت الفكرة من قيد ما، صارت أجمل من الفكرة المكبلة بقيد ما. والراقصة إذا تحررت من قيود الترهل وإلتزمت الإيقاع الموسيقي جاءت الرقصة حرة من تلك القيود فلا شك أنها أجمل من رقصة راقصة لا تجيد التوافق الإيقاعي بالخفة المطلوبة، وكذلك الكلام كلما تحررمن قيود الثأثأة، وخرج متسقا مع قواعد اللغة، زاد الجمال فيها وهكذا فالجمال والحرية، كلما زاد الجمال زادت الحرية، فلا شك أن الجمال أيضا مطلق، حيث لا قيد بل حرية على الإطلاق، وهو الجمال على إطلاقه. بينما الإيمان بالله والإنقياد له وعبادته تكون أولى خطوات السير في طريق الحرية وبداية تشَكل معالم الجمال الإنساني. يرمي القيود المكبلة لإنطلاقته، في (الحضرة) ليجد ذاته متحررا من كل قيود المادة والقصور الفكري، متلاشيا في الجمال اللانهائي في الذات العلية وقد تحققت له كل مبررات الوجود، وغايات الحياة (يا أيها الإنسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه) لا بقطع المسافات، ولكن بإتباع المنهج الرباني (الكتاب والسنة) في معالجة قيود الحياة التي تكبل حرية السير نحو الحضرة، فهنا المبدع الفنان الملتزم، ينتقي من موضوعات ومواد عالمه، يعالج بها لوحاته الفنية، الحرية والجمال وجهان لعملة واحدة، لوحة مبدع ملتزم بحرية الجمال، صيغت مكوناته لترشد التائهين إلى هناك حيث لاهناك هناك. وهكذا يكون المنهج الإبداعي أيا كان؛ الترتيب للقيم الجمالية في قائمة تلتزم وضع كل شيء في موضعه الصحيح، تتحرى إستجلاء الجمال اللانهائي بإضفاء القيم، وإعطاء المعاني مواقعها الصحيحة,