الحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ النَّاسَ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، أَرْسَلَهُ بِدَعْوَةٍ أَخْرَجَتِ النَّاسَ مِنْ ضِيقِ الدُّنيا إِلى سَعَةِ الدُّنيا والآخِرَةِ، -صلى الله عليه وسلم- وعَلَى آلهِ وصَحْبِهِ وأَتْباعِهِ وعَلَى كُلِّ نَفْسٍ عَلَى نَهْجِهِ إِلى يَوْمِ الدِّينِ سَائرةٍ. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً))(1)، فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- فَإِنَّ ((ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)) (2) ، فَلْنَعْلَمْ أَوّلاً -أَيُّهَا الإِخْوَةُ- أَنَّ الحَقَّ تبَارَكَ وتَعالَى هوَ الذِي خَلَقَ الخَلْقَ وقَدَّرَ أَرزاقَهُم، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)) (4) ، والتِي لاَ يُمْكِنُ لأَيِّ كَائنٍ بَشَرِيٍّ عَاقِلٍ أَنْ يَتَصوَّرَ الحَياةَ الدُّنيَويَّةَ الهَانِئَةَ بِدونِ تَوافُرِها، غَيْرَ أَنَّ وَصْفَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَها بِكَوْنِها تُعادِلُ حِيازَةَ الدُّنيا بِحَذافِيرِها يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنّا يَتأَمَّلُ ويُدَقِّقُ النَّظَرَ فِي أَبْعادِ هَذِهِ المَعانِي، قَالَ تَعالَى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) (5) ، قَالَ تعَالَى: ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)) (6) ، وحِينَما سُئِلَتْ أُمُّ المُؤمِنينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- عَنْ طَبِيعَةِ تَعامُلِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَ أَهْلِهِ قَالَتْ عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- : ((كَانَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، قَالَ تَعالَى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعقِلُونَ)) (7) ، قَالَ تعَالَى فِي شَأْنِ مُوسَى -عَلَيهِ السَّلامُ-: ((قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ))(8)، قَالَ سُبْحانَهُ: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ)) (10)، وإِذا نَظَرنا إِلى حَدِيثِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَجَدْنا أَنَّهُ جَعَلَهُ ثَالِثَ ثَلاَثَةٍ مِنْ أَسبابِ السَّعادَةِ، وفي هَذا لَفْتَةٌ دَقِيقَةٌ إِلى أَنَّ كَسْبَ المَعاشِ لاَ يَتأَتَّى إِلاَّ لِمَنْ أَمِنَ فِي سِرْبِهِ وعُوفِيَ فِي جَسَدِهِ، قَالَ تَعالَى: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (11) ، ولِهذَا فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ قُوتَ يَوْمِهِ فَإِنَّهُ يَكونُ فِي مَنأَى عَنْ بَطَرِ الغِنَى وهَوانِ الفَقْرِ، قَالَ تَعالَى: ((وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ))(14)، واعمُروا حَياتَكُم بِنَشْرِ الأَمْنِ بِكَافّةِ مَعانِيهِ وأَشكَالِهِ وأَنواعِهِ فِي أُسَرِكُم ومُجتَمَعاتِكُم، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. قَالَ تَعالَى: ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)) (16) ، وعَنْ عُمرَ بنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((مَا ابتُلِيتُ بِبلاَءٍ إِلاَّ كَانَ لِله تعَالَى عَلَيّ فِيهِ أَربَعُ نِعَمٍ: إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي دِينِي، واطْمَحُوا إِلى مَزيدِ الطَّاعاتِ تُفلِحُوا. فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (( إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا )) (17). وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَ كُلاًّ مِنَّا لِسَاناً صَادِقاً ذَاكِراً، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعَبادك أجمعين. اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ. رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ. إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ. عِبَادَ اللهِ : (( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ )).