ومن ثم يصبح من الضروري تحليل الجوانب المختلفة الطبيعية والبشرية والاقتصادية للدول وذلك من أجل فهم السلوك السياسي للدول وإدراك علاقاتها السياسية الداخلية والخارجية والوقوف على مدى قوتها. وبها جماعة من الناس يعيشون على أرضها ولها حكومة تنظم علاقة السكان بالأرض وتبسط سيادتها على نطاقها الإقليمي والدول في هذه العناصر الأربعة التي تشكل الدولة تتباين في كل شيء من الأرض إلى السكان إلى السلطة إلى السيادة. ينظر الجغرافي عادة للموقع الجغرافي من بعدين الأول متعلق بالموقع الفلكي للظاهرة وهي هنا الدولة والآخر الموقع النسبي. والناظر إلى خريطة العالم السياسية اليوم يلاحظ أن الدول المتقدمة بعامة والقوى الكبرى بخاصة توجد في النطاقات المناخية المعتدلة بينما الدول النامية بعامة والفقيرة بصفة خاصة توجد في المناطق المدارية مرتفعة الحرارة ولقد ذهب البعض في تفسير ذلك إلى أن المناطق المعتدلة بطبيعتها تدفع الإنسان إلى النشاط والعمل بينما المناخ المداري الحار يدفع الإنسان إلى الكسل والخمول، ب) الموقع بالنسبة لليابس والماء : يعد موقع الدولة بالنسبة للمسطحات المائية عنصرًا مهما في جغرافيتها السياسية، وتصنف الدولة بأنها بحرية إذا كانت تطل على مسطح مائي خارجي بمعنى أن هذا المسطح المائي له اتصال بالعالم الخارجي، وهناك دول تطل على المسطحات المائية بثلاث جبهات كإيطاليا والولايات المتحدة وهناك دول بحرية تماما حيث تحيط بها المياه من جميع الجهات؛ وتستفيد الدول البحرية من موقعها البحري في الاتصال بالعالم الخارجي بدون عوائق أو بمعنى أدق بدون تحكم من أحد كحال الدول الحبيسة كما أن موقعها البحري يزيد من احتكاكها الحضاري بالعالم الخارجي. على أن مدى استفادة الدول من موقعها البحري يتوقف على نوع هذه السواحل وهل هي سواحل صالحة لحركة الملاحة أم توجد عقبات مثلاً سواحل روسيا الاتحادية على بحر البلطيق تتعرض للتجمد في بعض فصول السنة، وهناك نقطة مهمة فيما يتعلق بالمواقع الساحلية للدول عموما خاصة التي توجد الآن في النطاقات الحارة والمعتدلة حيث أصبحت هذه المناطق الساحلية مهمة للدولة في تنشيط حركة السياحة الترفيهية في هذه الدول خاصة منذ منتصف القرن العشرين، حيث أصبحت السياحة بعامة والسياحة الترفيهية بوجه خاص من أهم الأنشطة الاقتصادية في عالم اليوم ويكفي أن نقول في هذا الخصوص إن السياحة الدولية أصبحت أكبر سلعة تصديرية منفردة على خريطة التجارة الدولية الآن. الخارجية في عام 2006م في مصر). الحبيسة في العالم والتي بلغ عددها 43 دولة موزعة كالتالي: ويلاحظ من هذا التوزيع أن العدد الأكبر من الدول الحبيسة يتركز في قارات العالم القديم إفريقيا - ميراث استعماري - وأوروبا ميراث لنشأة الدول الحديثة في عصر القوميات منذ نحو ثلاث قرون من الزمن، ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض الدول شبه الحبيسة حيث تطل بجهة بحرية واحدة ضيقة كحالة العراق والأردن، ما هي البدائل إذن لإمكانية الوصول إلى أعالي البحار ؟ وكيف يتم هذا عبر دول أخرى دون أن يمس سيادتها كثيرًا من ناحية، وإلى نقل كثير من الصناعات التي كان يجب أن تقوم في شمال فرنسا لوجود حقول الفحم إلى جهات بعيدة عن الحدود وإلى تنمية مشروعات الكهرباء في جبال الألب وهضبة فرنسا الوسطى والبرانس وإلى تعدين الحديد في نورماندي بينما احتياطي الحديد الضخم في اللورين على الحدود الفرنسية الألمانية، ويؤدي الوضع بالنسبة للجيران في بعض الأحيان إلى ضرورة وجود الدول الحاجزة Buffer‏ ‏States وهي وحدات سياسية صغيرة الحجم بين وحدات سياسية ضخمة، ويمكن في هذا المجال اعتبار بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج دول حاجزة بين ألمانيا من جانب وفرنسا من جانب آخر . كما قامت بولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا كدول حاجزة بين وسط أوروبا من ناحية والاتحاد السوفيتي السابق من ناحية أخرى، وقد خشيت بريطانيا وهي في الهند من نمو روسيا القيصرية وتوسعاتها في القرن التاسع عشر، بل وامتد إقليم واخان Wakhan من أفغانستان على هيئة أصبع ليصل إلى مقاطعة سنكيانج الصينية، ويعتبر المحيط الأطلنطي الشمالي في الوقت الحاضر من أكثر محيطات العالم مركزية لوقوعه بين منطقتين من أعظم مناطق العالم تقدما كندا، هذا في حين أن المواقع المتطرفة لا تساعد على نمو التجارة ومثال ذلك أستراليا ونيوزيلندا التي لم تنمو تجارتهما إلا بفضل أنهما أعضاء في الكومنولث البريطاني، مثال ذلك انتشار الثورة الصناعية الأولى في دول غرب أوروبا (1760م-1830م) في وقت لم يكن النة والاتصال قد تطور بعد بدرجة تذكر، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مركزية الموقع وهامشيته ليست ثابتة جغرافيا وإنما الأمر متغير باستمرار. فبعض المواقع قد تصبح مركزية أو هامشية تبعًا للتغير التقني والتغير الذي يطرأ على مراكز القوة والسيطرة السياسية والاقتصادية في العالم. وقد انتقل مركز الثقل من الشرق الأدنى إلى شرق البحر المتوسط عند الإغريق والرومان ثم انتقل بعد ذلك إلى الحوض الغربي للبحر المتوسط عند أسبانيا والبرتغال ثم انتقل من هناك إلى غرب أوروبا على الساحل الشرقي للمحيط الأطلنطي وامتد بعد ذلك إلى شرق الولايات المتحدة على الجانب الآخر من نفس المحيط وظهر في الوقت الحاضر مركز ثقل جديد في الشرق الأقصى.