نص المحاضرة الرمضانية العاشرة لقائد الثورة متابعات/خطابات القائد ١٣/ رﻤضـــــــــــان ١٤٤٥هم ٢٣ / مـــــــــــــــارس/٢٠٢٤م الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبين، وَأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ. أيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَات: السَّـلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛ نواصل الحديث على ضوء الآيات المباركة في القصص القرآني، التي قصَّت قصة أبينا آدم "عَلَيْهِ السَّلَام" (في سورة البقرة)، وتحدثنا أنَّ لهذه القصة في السور المباركة التي ذكرتها سياقات معينة، وفي كل سياق يتم التركيز على كثيرٍ من الدروس والعبَر المهمة جداً، والهداية الإلهية الواسعة، التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها. والقصة أيضاً وردت (في سورة الأعراف)، والذي نحتاج إلى أن نستفيد منه، ثم (في سورة الأعراف)، ثم ننتقل إلى بقية السور التي ذكرتها: (في سورة الحجر، في سورة طه، نجد أيضاً التكامل الكبير، وقدَّمت الدروس والعبر، ذُكرت في كتب الله السابقة إلى رسله وأنبيائه، التي لو استوعبها البشر في كل المراحل الماضية، ليس فقط في هذا العصر الأخير، بل حتى مع الأنبياء السابقين، ومنذ البداية لو استوعب البشر الدروس والعبر التي في هذه القصة؛ ويقي من استفاد وأخذ الدروس والعبر منها، يقيه الكثير والكثير من الشقاء والخسران في الدنيا وفي الآخرة، الخسران المبين، ومثل ما سبق لنا (في سورة البقرة)، قبل البدء بالقصة مباشرةً يأتي الحديث عن نعمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" على البشر بهذه الأرض، وما جعل لهم فيها وخلق لهم فيها من النعم الوافرة، الكثيرة، فجمع لنا بين النعم المادية، المتعلقة أيضاً بالجانب الأخلاقي، والقيمي، والديني، والجانب الثاني: ما أودع الله في الإنسان نفسه من مدارك، ومواهب، والتَّمَكُّن من الانتفاع بها بأشكال كثيرة، والانتفاع الواسع. فالله هو مصدر هذه النعم للإنسان، وفيما أوجد له، ولذلك لا يليق بالإنسان أن يستخدم نعم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالإساءة إلى الله "جَلَّ شَأنُهُ"، واللائق به، في غذائنا، في أكلنا، في متطلبات حياتنا، وهذا شيءٌ واسعٌ جداً، واسعٌ جداً. أصناف كثيرة جداً، وهيَّأ الله على مستوى البلدان كذلك أن تزرع البلدان أنواعاً كثيرة من المحاصيل الزراعية والنباتات، وفَّرها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" للإنسان، والمنافع الكثيرة، ومع ذلك بشكلٍ فيه تكريم، وفي استساغة الإنسان لها، للأسف الشديد فالإنسان هو قليل الشكر! مع أنَّ الله مصدر كل النعم عليه، ومع أنه في معيشته، يعتمد على ما وهبه الله إياه، لكنه كثيراً ما يستخدم تلك النعم والإمكانات في الإساءة إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى". وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}[الأعراف: من الآية11]، بداية الوجود البشري حينما خلق الله أبانا آدم "عَلَيْهِ السَّلَام"، بداية الوجود الإنساني، كان من الممكن أن يُخَلَق الإنسان شبيهاً بأي حيوان من الحيوانات الأخرى، في شكله، في قوائمه في اليدين والرجلين مثلاً، في أشياء أخرى، وبذلك تصعب عليه الحياة، بقدر تلك الكيفية التي خلقه الله فيها، في جوارحه وأعضائه، فالنعمة في الخلق نفسها نعمة كبيرة، والله وهبنا الحياة، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}، أعطى الله للإنسان الصورة الجميلة، المميزة عن بقية الدواب على وجه الأرض، وفعلاً هي صورة أجمل من صورة أي حيوان على وجه الأرض، وفي الصور نفسها آية عجيبة، آية عجيبة جداً من آيات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، إلى شبابه، إلى شيخوخته، وهي نعمة، وتكريم كذلك. لأنه تسليمٌ لأمر الله، وطاعةٌ لله "جَلَّ شَأنُهُ"، ليستقر بينهم، وليعبد الله في جملتهم؛ ويخاطب معهم. إبليس امتنع من السجود، وهنا سيبيّن لنا في هذه الآيات المباركة بشكلٍ أوسع مما قرأناه (في سورة البقرة)، عن عداوة الشيطان للبشر، وعن أساليبه، وغير ذلك. ما هو السبب في امتناع إبليس من السجود؟ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" كشف لنا نحن هذا السبب، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}[الأعراف: من الآية12]، يعلم ما توسوس به نفس كل مخلوق، يعلم ظاهر كل مخلوقٍ وباطنه، من الإنس، والجن، وكل المخلوقات، عن السبب الحقيقي في امتناعه من السجود لآدم "عَلَيْهِ السَّلَام". وأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" سواءً فيما يأمر به ملائكته، أو يأمر به الجن، الكل عبيد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ولننظر إلى من هو الآمر، لتكن النظرة والمنطلق على هذا الأساس: من هو الآمر، أو تبريرات أخرى، طالما وهناك أمرٌ من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الجن)، إلَّا الطاعة، والرحيم العظيم؛ طالما وهناك أمر من الله، ولهذا ليس السؤال له للاستفسار عن مبرر؛ لأنه لا مبرر أصلاً، لا مبرر أصلاً، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[الأعراف: من الآية12]، معصية في الطاعة، وأنها تشعَّبت وتفرَّعت عن عقدة الكبر، كان متكبراً، ويصرِّح بهذا الاتهام، يُصرِّح بهذا الاتهام لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في عدله وحكمته، تصوراً زائفاً، فللتراب بركات كثيرة، الفواكه، الثمار. لكن ليست المسألة في أن يَفْضُل مخلوقٌ على مخلوقٍ آخر بالمادة التي رُكِّب منها، أن ذلك رُكِّب من نار، وذلك خُلِق من عنصر النار، إنما خلاصته الكبر، والكبر حالة خطيرة جداً. الكبر: حالة يتصور المخلوق الذي يتكبر أنه أكبر من أن يقبل بذلك الأمر الإلهي، أنفةٌ من قبول الحق، أو المخلوق إذا كان غير إنسان كما هو حال إبليس وهو من الجن كذلك، هو يتصور أنه أكبر من أن ينفِّذ ذلك الأمر الإلهي، أو من الجن) يتصور نفسه أنه فوق أن يُذْعِن لأمرٍ من أوامر الله، متكبر. هو أول ما عُصي الله به كما في الروايات والأخبار، وهو عقدة خطيرة جداً، ولهذا من يتورَّط في الكبر، وتكون معاصيه متفرِّعة عن الكبر، فهو شديد الإصرار، ثم يكون المتكبر هو ذلك الذي يصر على معاصيه، وكلما ذُكِّر؛ فتصبح حالة العناد، وكان يخرج من معصية إلى معصية أخرى، كبيرة وفظيعة جداً، معصية عملية، وإخراج ما كان خفياً في نفسه، من الاتهام لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في حكمته وعدله، وجريمة الإصرار على المعصية، والاستمرار عليها. وهكذا ينتقل من معصية إلى معصية كبيرة أخرى، الكبر حالة خطيرة جداً؛ ولهذا يأتي التحذير منه كثيرًا في القرآن الكريم، فيما يقصُّ الله علينا عن الرسالات السابقة مع رسله وأنبيائه، هم الملأ الذين استكبروا، الكبر هو من أكبر الأسباب التي تدفع البعض من الناس إلى أن يقودوا هم حالة العناد، والصالحين من عباد الله. يخسر القيمة المعنوية؛ وأهمية ومكانة عالية، لا يبقى له شأنٌ رفيع، وأهمية ومكانة عالية. خسر كل عبادته السابقة، وحبط كل عمله، لم يبقَ له أجر، وفي نفس الوقت خسر مكانته، هو كان في مكانة محترمة، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا}، الهبوط: الطرد، فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا}[الأعراف: من الآية13]؛ ومواقعهم، خالصة للعبادة، ويتعبَّدون لله تمام التعبُّد، والخشوع، والتعبد لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى". فَاخْرُجْ}[الأعراف: من الآية13]، ومقتٍ من الله والعياذ بالله، طُرِد وحُكِمَ عليه أن يكون من الصاغرين، فتكبره لم يحفظ له مكانةً معينة، ولم يبقِ له شأناً رفيعاً، وتحوَّل ليكون من الصاغرين، في ذلٍ وهوان وخزي والعياذ بالله، وبقي مصراً على إجرامه، وذنبه، أنه يخسر ويخسر أكثر وأكثر، وضعةً، فما الذي طلبه؟ {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[الأعراف: الآية14]، ونهايتها، شرح مهم جداً، يوضِّح حقائق ذات أهمية كبيرة، ثم الحساب والجزاء. {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. لماذا يطلب من الله الإنظار، وهنا يحصل التباس على بعض المفسِّرين، وبعض الواعظين، وهذا كان مقدراً من قبل معصيته، مقدراً من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" كان قد كتب له أن يكون من المنظرين، الذي في علم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ولكنه لفترة طويلة؛ ولهذا سيعايش أجيالاً كثيرةً جداً من البشر، قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}، أنَّ الله قال: {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}[ص: الآية81]، نعوذ بالله منها. هو يُحمِّل الله المسؤولية، وسجدوا تكريماً لآدم، وطاعةً لله، فهو الذي أوقع نفسه في الغواية، يحمِّل الله المسؤولية في ذلك، وقلة الأدب، قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}، ثم هو يحلف؛ لأن هذا في مورد القسم: {لَأَقْعُدَنَّ}، وصرَّحت به آيات أخرى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}[ص: الآية82]، مقسماً، فهو حاقدٌ على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وحمَّل الله المسؤولية فيما أوقع فيه نفسه هو من الغواية، وحاقدٌ على آدم وحواء "عَلَيْهِمَا السَّلَام"، وعلى ذرية آدم جميعاً، وأنَّه سيتحرك ليكون مضلاً، ليتحرك في طريق الإغواء، سيتَّجه ويجعل كل جهده، وكل نشاطه، الإغواء لهم عن صراط الله المستقيم، وهو يعترف على نفسه بأنه صار غاوياً، قد غوى عن طريق الحق، وانحرف عن طريق الحق، وخرج عن طريق الحق، وهو يعترف أنَّه أصبح في طريق الغواية، ولكنه يعترف على نفسه بأنه أصبح غاوياً، وليبذل كل جهده في إغواء بني آدم عبر الأجيال، هذا يدل على ضلال رهيب، ومنها المعاصي الناتجة عن الكبر: أنَّها تخبث بها النفوس، زكاء نفسه، وكيانه الداخلي، ويتعاظم الخبث فيطغى، أو الجن)، وهي حالة خطيرة، مخيفة؛ بما تتركه من الخبث في النفوس، ولذلك اتَّجه لمعصية أيضاً معصية كبيرة جداً، ليكون زعيماً للضلال، زعيماً للغواية، أمر رهيب جداً، واتجاه خطير جداً اتَّجه فيه، وهوى إليه، {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}[الأعراف: من الآية16]، فهو يبين أنَّه سيتَّجه هذا الاتجاه، لأنها ليست حرباً من النوع الآخر، ليكسِّر عليهم ما بأيديهم من إمكانات، أو ليحطِّم عليهم ممتلكاتهم، هو سيشغِّل البعض منهم في ذلك، والسعي لصدهم عن الصراط المستقيم، في دينه، ونهجه، ونعمه عليهم، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}[الأعراف: الآية16]، ويريد أن يخسروا معه، والشقاء، والخذلان، والغواية؛ ليكونوا من أصحاب السعير، البعض قد تؤثِّر فيه الشهوات، البعض قد تؤثِّر فيه المقامات المعنوية، البعض. من يمكن أن يكون ضعيفاً أمام شهوات النفس، أو الشهوات المتعلقة بالرغبة الجنسية. فيحاول أن يوقعه في المعصية بتلك الطريقة. من يطمح للمقامات المعنوية، ويتمسَّك بالتدين، يحاول أيضاً أن يغويه بأي طريقة، إما بابتداع، إما برياء، إما بعجب، أين هي نقطة ضعف هذا الإنسان أو ذاك، وهذا ما يعنيه بقوله: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}، يعني: من كل الجهات التي يمكن أن يؤثِّر بها على الإنسان للبحث عن نقطة ضعفه. ما وقع فيه إبليس من الغواية والذنب، ولا على آدم، هي عقدته هو، لأن استخدام نعم الله بطريقة تسيء إلى الله، يترتب عليه أضرار ومفاسد على الإنسان نفسه، وإلَّا فالله غنيٌ عن شكرنا، وعن طاعتنا، وعن التزامنا،