الْمَدِينَةُ تَكْبُرُ وَتَمْتَلِيُّ بِالنَّاسِ ، وَتَمْتَلِيُّ بِالْمَصَانِعِ وَبِالدُّخَانِ وَالدُّرُوبِ ، وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقِفُ مُتَقَرَّجاً ، تَسْحَقَهُ غُرْبَةً مَرِيرَهُ ، فَلَا يُحِسُّ أَبَداً أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَمْلأُونَ الْمَدِينَةَ ، تَسْتَطِيعُ الْمَدِينَةُ أَنْ تَظَلَّ مُمْتَلِئَةٌ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ، تَسْتَطِيعُ الْحَيَاةُ أَنْ تَظَلَّ قَائِمَا قَائِمَةً عِنْدَمَا تَنْتَهِي حَيَاتُهُ هُوَ. كَانَتْ كَتِفَاهُ تَرْتَطِمَانِ كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَاتِ الْأَكْتَافِ فِي الشَّارِعِ ، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ تَقَعَانِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا فِي كُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ ، لَا يُحَيَّهِ أَحَدٌ وَلَا يُحَنِّي أَحَداً ، حَتَّى اسْمُهُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ فَهُوَ دَاخِلَ الْمَعْمَلِ الَّذِي يَشْتَغِلُ فِيهِ مُجَرَّدُ رَقْمِ مِنَ الْأَرْقَامِ، وَقَبْلَهُ عَدَهُ كَبِيرٌ مِنَ الْأَرْقَامِ ، وَبَعْدَهُ عَدَا أَكْبَرُ لَقَدْ كَانَتِ الْمَدِينَةُ، أَرْضَا وَاسِعَةً خَاوِيَةٌ ، شَاهَدَ أَوَّلَ عِمَارَةٍ تَطْلُعُ فِيهَا ، وَهُوَ الآنَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةٌ مِنْ وُصُولِهِ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ ، كَانَتْ أَوَّلَ مَدْرَسَةٍ فِي الْمَدِينَةِ تُحِيطُ بِهَا الْأَعْشَابُ وَالْعَقَارِبُ ، وَهُوَ لَا يَذْكُرُ الْآنَ أَيْنَ تَفَعُ تِلْكَ الْمَدْرَسَةُ الصَّغِيرَةُ، لَقَدْ ضَاعَتْ كَمَا ضَاعَ هُوَ وَسَطَ الْمَدِينَةِ الْعَاقَةِ الَّتِي شَهِدَ مِيلَادَهَا . لَطَالَما وَقَفَ أَمَامَ الْمَرْأَةِ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ شَيْئاً آخَرَ غَيْرَ هَذَا الرَّقْمِ ، وَلَكِنَّ الْمَرْأَةَ تُطَالِعُهُ بِوَجْهِ لَا يَعْرِفُهُ أَبَدًا، كَرَقْمِ الْآلَةِ 11 فِي الْمَعْمَلِ ، تُرَى أَيْنَ هِيَ الْيَوْمَ الْحَافِلَةُ رَقْمُ 1؟ كَانَ فِي الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، حَتَّى الْمَدِينَةُ الَّتِي شَبَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا تُحِسُّ بِهِ فِي رِحَامِهِ مَعَ النَّاسِ فِي الشَّوَارِعَ وَهُوَ يَتَطَلَعُ إِلَى الْوُجُوهِ ، إِلَى الْعِمَارَاتِ وَالدُّخَانِ وَالْحَافِلَاتِ. ثُمَّ فَكَرَ : إِنَّنِي لَنْ أَظَلَّ هَكَذَا أَشْهَدُ مِيلاَدَ الْمَدِينَةِ وَالنَّاسِ ، كَمَا أَغْنِّى أَنَا ذَلِكَ ، وَلَسَوْفَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ رَقْمِ. وَأَنْزَوَى فِي مَقْهَى وَكَتَبَ عَلَى وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ: هَلْ أَنتَ مِثْلِي سَحَقَتْكَ الْمَدِينَةُ ، فَلَمْ يَعُدْ لَكَ وُجُودٌ فِيهَا، لِنَكُنْ أَصْدِقَاءَ إِذَنْ ، وَتَعَالَ إِلَيَّ مَسَاءَ الأَحَدِ الْقَادِمِ فِي خَطُ الْأُوتُوبِيسِ (5)، لَقَدْ عَيتُ مِنَ الدُّخَانِ وَالْمَصَانِ ، عَلَامَاتُنَا وَرَدَا بَيْضَاءُ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى رَصِيفِ مَحَطَّةٍ الْأُوتُوبِيسِ (5) ، لَا تَدَعْنِي أَنْتَظِرُ طَوِيلًا. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ قَدْ تَغَيَّرَ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ، فَكَانَهُ عَادَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى صِبَاهُ الْبَعِيدِ، وَإِلَى صِبَا الْمَدِينَةِ ، يُغَطِّي تُرَابَهَا الْعُشْبُ ، وَلَا أَيَّ مَقْهَى وَزِحَامٍ وَدُخَانٍ وَحَافِلَاتٍ . وَوَقَفَ أَمَامَ دُكَّانِ وَاشْتَرَى غِلَافَ رِسَالَةٍ، ثُمَّ وَضَعَ كَلِمَاتِهِ دَاخِلَ الْغِلَافِ، وَاخْتَفَتِ ابْتِسَامَتُهُ وَهُوَ يُفَكِّرُ مَاذَا لَوْ يَقْرَأَهَا وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ، وَيَتْرُكُهُ يَنتَظِرُ عَلَى رَصِيفِ الْمَحَطَّةِ رَقْم (5)، لَسَوْفَ يَنْسَحِقُ أَكْثَرَ لَوْ حَدَثَ ذَاكَ ، إِنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَظَلَّ وَحْدَهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ، فَأَلْقَى بِالرِّسَالَةِ فِي صُنْدُوقٍ جَرِيدَةٍ . مَسَاءُ الأَحَدِ: المَدِينَةُ صَاحِبَهُ ، مُمْتَلِئَةٌ بِالنَّاسِ كَكُلِّ مَسَاءِ الْأَضْوَاءُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَعَلَى رَصِيفَ الْمَحَطَّةِ رَقْم (5) وَقَفَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْتَظِرُونَ الْحَافِلَةَ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْخٌ يَحْمِلُ رَيْطَةَ النَّعْنَاعِ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَنْدَسَّ فِي الصَّفُ ، وَامْرَأَةَ تَحْمِلُ طِفْلَةٌ صَغِيرَةً ، وَتَشُدُّ بِيَدِ عَلَى طِفْلِ صَغِيرٍ، وَكَانَتْ فَتَاهُ فِي حَوَالَي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْعُمْرِ تَقِفُ أَيْضًا ، تَفَرَّجُ بِحُزْنِ رَقِيقِ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ جَاءَتْ حَافِلَهُ أُخْرَى ، وَالْأَضْوَاءُ تَسْطَعُ فِي أَبْوَابِ الْمَتَاجِرِ، وَمَا زَالَتِ الصَّغِيرَةُ الْجَمِيلَةُ تَنتَظِرُ ، وَالْمَدِينَةُ تَمْتَلِى أَكْثَرَ ، وَالسَّيَّارَاتُ تَقِفُ صَفَا طَوِيلًا أَمَامَ الضَّوْءِ الْأَحْمَرِ، ثُمَّ تَنْطَلِقُ عِنْدَمَا يَشْتَمِلُ الضَّوْءُ الْأَخْضَرُ ، وَالْفَتَاةُ تَطَلْعُ بِحُزْنِ رَقِيقِ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَتَلَفَّتُ الْفَتَاةُ إِلَى كُلِّ الْجِهَاتِ ، تَرْفَعُ وَرْدَتَهَا الْبَيْضَاءَ إِلَى شَفَتَيْهَا وَتَمَتُهَا بِرفْقِ قَبْلَ أَنْ تَضَعَهَا فِي سَلَّةِ الْأَزْبَالِ. صَبَاحُ الإِثْنَيْنِ: كَتَبَتْ جَرِيدَهُ فِي إِحْدَى صَفَحَاتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ،