المبحث الأول: السخرية المفهوم، تُعدّ السخرية واحدة من أقدم وأعمق الوسائل التعبيرية التي استخدمها الإنسان للتفاعل مع العالم، إذ تقوم على المفارقة، والازدواج الدلالي، وقد عرّفها النقاد والفلاسفة بأشكال متعددة تعكس ثراءها النظري وتنوع تجلياتها في الأدب والفن. ففي المعجم الفلسفي يُعرّف "أندريه لالاند" السخرية بأنها: (1) تهكم، I. Ironia. République, بهذا المعنى يقال غالباً «سخرية سقراطية». مع قصد التهكم أو الطعن . 1) أندريه لالاند، ترجمة خليل أحمد خليل، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1981))، ص 708 _5_ السخرية لغةً : من الفعل (سَخَرَ، فالسين والخاء والراء أصل مطرد مستقيم يدل على احتقار واستذلال)(2) ، فيتضح في غضون هذا التعريف إنّ السخرية متصلة بالبعد التحقيري، أما ما ذكره أبو هلال قلنا : سَخِرْتُ منه أي وقع السُّخْرُ من أجله، منه هو التَّسْخيرُ ؛ بمعنى تذليل الشيء وجعله منقاداً إياه، وسُخرِيّةً: هزئ به، وقال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُم} (4) 2)أحمد بن فارس ت 395هـ ، مقايس اللغة، تح : عبد السلام هارون، ج 232 . (2) 3) أبو هلال العسكري ت)٣٩٥ه(ـ ، ظ : الفروق في اللغة، بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}(5) والسُّخْرِةُ : الضُّحْكَةُ ، فالسخرية جاءت بمعنى الهزء )(8) ، 5)الزخرف 32 6)لسان العرب، ابن منظور , ج4 , 8)الوسيط، مجمع اللغة العربية :421. _7_ يتبيّن من خلال ما سبق أن مصطلح السخرية يتميّز بغناه الدلالي وتعدّد معانيه، إذ يدور في فلك مفاهيم مثل الاحتقار، التسخير أحيانًا، والاستهزاء، والتقليل من الشأن، ما يمنحه طابعًا مرنًا ومتعدد الأبعاد في مختلف السياقات التعبيرية والفكرية السخرية اصطلاحا. لاقی مصطلح السخرية تعريفاً من عدة دارسين نذكر منها : (نوع من التأليف الأدبي أو الخطاب الثقافي، الذي يقوم على أساس الانتقاد للرذائل والحماقات والنقائص الإنسانية الفردية منها والجمعية، كما لو كانت عملية الرصد والمراقبة لها، أو التقليل من قدرها، أو غير ذلك من الوسائل والأساليب التي يكون الهدف من ورائها التخلص من بعض الخصال السلبية)(9) . إذن الغاية من هذا ليست مجرد الضحك فقط، بل جعل الناس ينتبهون لهذه العيوب حتى يعملون على التخلص منها أو إصلاحها. 9)شاكرعبد الحميد الفكاهة والضحك رؤية جديدة، 2003ص53 _8_ وقد عرفها الدكتور شوقي ضيف بقوله : (السخرية أرقى أنواع الفكاهة لما تحتاجه من ذكاء، وخفاء ومكر، وهي لذلك أداة دقيقة في أيدي الفلاسفة والكتاب الذين يهزأون بالعقائد والخرافات)(10) ، إذ يرى أنّ اللذع والتهكم لونان من ألوان السخرية . فلا يمكن لجميع الناس أن يكونوا ساخرين، أكد بيدا أليمان Bida allimane أنه يجب التفريق بجلاء وبصورة نهائية بين السخرية كمبدإ فلسفي والسخرية كظاهرة من ظواهر الأسلوب الأدبي, أي بالتركيز على مكوناتها اللسانية والسيميائية وكذا بعديها الدلالي والإقناعي في النص الأدبي، - «مكوّن لساني بنائي: يتجسد من خلال المفارقة الدلالية وما يترتب عنها من غموض والتباس) (11) 10)المصدر نفسه , ص55 ص97 معنى ذلك أن منطق السخرية يقوم أساسا على الإحساس بمفارقة دلالية يشكلها تقاطع بنية ضدّية بين المعنى الظاهر والمعنى الملتبس فالسخرية (طريقة خاصة مميزة في التعبير عن مزاج أو نغمة خاصة تبدي ما تقصده لا بطريقة مباشرة ولكنّ من خلال خاصية في النظر إلى أشكال التعبير الأدبي. وذلك لما يتضمنه من طاقة انتقادية كامنة، عبر إبراز المفارقات الدلالية التي تُحدث في المتلقي انفعال الضحك. يُعَدّ مفهوم السخرية من المفاهيم الإشكالية في الأدب والفكر النقدي، نظرًا لتشابكه مع مصطلحات أخرى قريبة منه كالفكاهة والتهكم والهجاء. (12)شاكرعبد الحميد الفكاهة والضحك رؤية جديدة، 2003:ص11 _10_ السخرية Satireنوع من التأليف الأدبي أو الخطاب الثقافي الذي يقوم على أساس الانتقاد للرذائل والحماقات والنقائص الإنسانية الفردية منها والجمعية، أو التقليل من قدرها، للضحك، التخلص من بعض الخصال والخصائص السلبية. نحو الضعف، وليس الشخص الضعيف وأنها غالبا ما تتضمن حكما أخلاقيا، وهدفا تصحيحيا. ومن أشكالها الأهجوة Lampoon ، وتتسم بالتعبير عن الشماتة أو الازدراء لمن وهذا التميز بطبيعة الحال، غير دقيق وذلك لأن السخرية أحيانا ما توجه نحو الشخص وليس صفاته، هذا إذا كان من الممكن واقعيا الفصل بين الشخص وصفاته ). 13). 2008,