ذلك أن مصر بحياتها الزراعية فعله النيل أنه مهد السبيل و أعد المكان فجاء المصريون و استغلوا ظروف بيئتهم بل هذبوا النهر و تحكموا في جريانه مرسومة. و كانت ظاهرة الفيضان بالذات أول ما اتجه المصريون إلى تهذيبه من ورد النهر بذلك سديدًا في اندفاعه، بل جمع إلى اندفاع الطبيعة و جموحها حكمة العقل البشري و صوابه. و بين دهاء الإنسان و حيلته . و يحاول دائما أن يرد إلى الطبيعة شيئًا من النظام، وأن يفيء على النهر شيئًا من الاتساق، ثم تتكرر القصة في كل عام. لم يزده الزمن إلا وضوحًا و تمييزا. و قد تضارعه أنهار قليلة كالمسسبي أو الأمزون و لكن المهم أن النيل يقطع تلك المسافة كلها في اتجاه عام واحد من الجنوب إلى الشمال ويصل ما بين خط عرض ٣ جنوب خط الاستواء و خط عرض ۳۱ شماله أي إنه يخترق أربعًا وثلاثين درجة من درجات العرض أو تزيد. و ليس بين أنهار العالم إطلاقا نهر يجمع بين مثل هذه العروض المتباعدة. فإنه يعتبر حديثًا جدا من حيث تكوينه الجيولوجي، و من المعروف أن النيل قبل أن يتخذ صورته الحالية كان موجودًا، و لكن على شكل ثلاث مجموعات نهرية تستقل كل منها عن المجموعتين الأخريين تمام الاستقلال. فأما المجموعة الأولى فتتمثل في النوبة ، و في هذه المرحلة حفر النيل مجراه في النوبة و مصر . و كذلك الحال في منابع النيل الاستوائية، اهتزت الهضبة الاستوائية و تأثرت بنفس الحركات التي أثرت في هضبة الحبشة، و استطاعت آخر و هذه و أقام الجسور و الحياض و الحدود،